محمد حسين علي الصغير

18

تاريخ القرآن

هذا : فهو مغاير لمفهوم الوحي وطريقته اللذين خاطب اللّه بهما رسله ، وعلمهم من خلالهما ، مع استقلال في شخصية الوحي ، بعيدة عن مراتب الفراسة والتجانس الروحي ، واستقلال في المتلقي بعيد عن الاستنتاج الذاتي ، أو التعبير المطلق بكل صوره . إن عملية الوحي الإلهى إنما تخضع لتصور حوار علوي بين ذاتين : « ذات متكلمة آمرة معطية ، وذات مخاطبة مأمورة متلقية » « 1 » . ولم تتشاكل في مظهر من مظاهر الوحي وظاهرته ، الذات المتكلمة ، والذات المخاطبة في قالب واحد ، ولم يتحدا في صورة واحدة على الإطلاق ، فهما متغايران . إن ظاهرة الوحي الإلهي ظاهرة مرثية ومسموعة ، ولكنها خاصة بالنبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وحده ، فما اتفق ولو مرة واحدة ، أن سمع أصحابه صوت الوحي ، ولا حدث أن رأوا هذا الكائن الموحي ، ومع هذا فقد أدركوا صحة ما نزل عليه ، وصدق ما أوحي إليه ، بدلائل الإعجاز ، وقرائن الأهوال ، واعتبارات الاختصاص ، فالنفس الإنسانية ، وإن كانت واحدة في الأصل والجواهر ، ولكنها تختلف شفافية كما تختلف تخويلا من قبل اللّه تعالى ، فالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يرى ويسمع ويعي ما حوله من الظاهرة بيقين مرئي مشاهد ، ومن حوله لا يرون ولا يسمعون ولكنهم يصدقون ويؤمنون . وربما قيل أن ما يتلقاه النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم من الروح الأمين وهو رسول الوحي : « هو نفسه الشريفة من غير مشاركة الحواس الظاهرة ، التي هي الأدوات المستعملة في إدراك الأمور الجزئية ، فكان صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يرى ويسمع حينما يوحى إليه من غير أن يستعمل حاستي البصر والسمع . . . فكان صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم يرى الشخص ، ويسمع الصوت مثل ما نرى الشخص ونسمع الصوت غير أنه ما كان يستخدم حاستي بصره وسمعه الماديتين كما نستخدمهما ، ولو كانت رؤيته وسمعه بالبصر والسمع الماديين لكان ما يجده مشتركا بينه وبين غيره ، فكان سائر الناس يرون ما يراه ، ويسمعون ما يسمع ، والنقل القطعي يكذب

--> ( 1 ) ظ : مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 194 + صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 27 .