محمد حسين علي الصغير

19

تاريخ القرآن

ذلك ، فكثيرا ما كانت تأخذه برحاء الوحي ، وهو بين الناس ، فيوحي إليه ، ومن حوله لا يشعرون بشيء ، ولا يشاهدون شخصا يكلمه » « 1 » . وقد يفسر هذا بأنه ظاهرة ذاتية ، ولكن عمى الألوان « 2 » - مثلا - يقدم لنا حالة نموذجية ، لا يمكن في ضوئها أن ترى بعض الألوان بالنسبة لكل العيون . « هناك مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر ، وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا ، ولا شيء يثبت علميا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون ، فلقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية أمام تلك الأشعة ، كما يحدث في حالة الخلية الضوئية الكهربية » « 3 » . وهذا مطرد بالنسبة للبصر المادي المتفاوت ، أما على التفسير الأول ، فينتفي الأشكال جملة وتفضيلا ، فهو من باب الأولى . ولقد توصل النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم إلى اليقين القطعي بصدق الرؤية والسمع عند حدوث ظاهرة الوحي طيلة ثلاثة وعشرين عاما ، وكان لذلك أمارات خارجية تبدو على وجهه وعينه وجبينه ، من شجوب أو احتقان أو تصبب عرق ، وقد يرافق ذلك دوي بجسمه أو أصداء أو أصوات كما تقول الروايات « 4 » . ولكن هذه المظاهر لم تمتلك عليه وعيه الكامل ، وإحساسه اليقظ ، لأنها أمارات خارجية لا تغير من حقيقة شعوره على الإطلاق ، فقسمات الوجه ، وتعرق الجبين ، وشحوب المحيا لا تدل في حالة اعتيادية على تغير في الوعي ، أو انعدام للذاكرة ، أو فقدان للشعور ، وما هي إلا طوارئ عارضة لا تمس الجوهر بشيء .

--> ( 1 ) الطباطبائي ، الميزان : 15 / 317 وما بعدها . ( 2 ) عنى الألوان قسمان : كلي وجزئي ، فالكلي هو العجز عن التمييز بين الألوان مع بقاء الإحساس البصري سليما من الاضطراب ، والجزئي هو العجز عن إدراك لون بعينه ، أو عن تمييز ذلك اللون عن غيره . ( ط : المعجم الفلسفي : 2 / 108 ) . ( 3 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 178 . ( 4 ) ظ : ابن سعد ، الطبقات الكبرى : 1 / 197 + البخاري ، الجامع الصحيح : 1 / 4 + الفتح الرباني : 20 / 212 + فتح الباري : 1 / 21 .