محمد حسين علي الصغير

17

تاريخ القرآن

ملك ، فالإلهام أعم من الوحي ، لأن الوحي مشروط بالتبليغ ، ولا يشترط ذلك في الإلهام . والإلهام ليس سببا يحصل به العلم لعامة الخلق ، ويصلح للبرهان والإلزام ، وإنما هو كشف باطني ، أو حدس ، يحصل به العلم للإنسان في حق نفسه لا على وجه اليقين والقطع ، كما هي الحالة في الوحي ، بل على أساس الاحتمال الإقناعي « 1 » . ولهذا فلا اعتبار بما حاوله الأستاذ محمد عبده : بجعل الإلهام وجدانا تستيقنه النفس ، وحسبان ذلك طريقا لإمكان الوحي « 2 » . إن طريق الوحي هو التلقي ، وطريق هذا التلقي هو الملك وفي ضوئه نجد عبد القاهر الجرجاني ( في 471 ه ) حديا بتمثل الوحي متفردا بما ألقاه جبرئيل عليه السّلام على النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، وأن القول بأنه : « قد كان على سبيل الإلهام ، وكالشئ يلقى في نفس الإنسان ، ويهدى له من طريق الخاطر والهاجس الذي يهجس في القلب ، فذلك مما يستعاذ باللّه منه ، فإنه تطرق للإلحاد » « 3 » . ولقد تطرق بعض الباحثين الكهنوتيين فدعى بأن الوحي : « هو حلول روح اللّه في روح الكتّاب الملهمين لاطلاعهم على الحقائق الروحية والأخبار الغيبية ، من غير أن يفقد هؤلاء الكتاب بالوحي شيئا من شخصياتهم ، فلكل منهم نمطه في التأليف ، وأسلوبه في التعبير » « 4 » . وهذا التعبير عن الوحي بهذا الفهم ، يختلف جذريا عن المفهوم القرآني للوحي ، ويضفي مناخا باطنيا في الحلول والاتحاد ، يدفعه الإسلام ، وهو سبيل مختصر إلى تقمص الصفاء الروحي وادعائه من قبل من لم يحصل عليه ، وفيه استهواء للدجل الاجتماعي عند الكهنة والكذبة ، وبعد

--> ( 1 ) ظ : د . جميل صليبا ، المعجم الفلسفي : 1 / 131 . ( 2 ) ظ : محمد عبده ، رسالة التوحيد : 108 . ( 3 ) عبد القاهر ، الرسالة الشافية ، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن : 156 . ( 4 ) جورج بوست ، قاموس الكتاب المقدس ، وانظر : صبحي الصالح مباحث في علوم القرآن : 25 .