محمد حسين علي الصغير
16
تاريخ القرآن
والمكاشفة لا تنتج عند صاحبها يقينا كاملا ، ويقين النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم بالوحي قد كان كاملا ، مع وثوقه بأن المعرفة الموحى بها غير شخصية ، وطارئة ، وخارجة عن ذاته « 1 » . والوحي الإلهي هو الفصل الذي يكشف به اللّه للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله « 2 » . وإذا كان الوحي فعلا متميزا ، فهو صادر عن فاعل مريد ، وهذا الفاعل المريد هو اللّه تعالى ، وليس الإلهام والكشف كذلك ، وهذا ما يميز الوحي عن المكاشفة ، والوحي النفسي ، والإلهام ، إذ أن مردّ الإلهام يعود عادة إلى الميدان التجريبي لعلم النفس ، ونزعة الوحي النفسي في انقداحها تعتمد على التفكر في الاستنباط ، والمكاشفة تتأرجح بين الشك واليقين . أما الوحي فحالة فريدة مخالفة لا تخضع إلى التجربة أو التفكير ، ومتيقنة لا مجال معها للشك . مضافا إلى أن حالات الكشف والإلهام والإيحاء النفسي حالات لا شعورية ولا إرادية ، والوحي ظاهرة شعورية تتسم بالوعي والإدراك التامين . والوحي بالمعنى المشار إليه يختص بالأنبياء ، وليس الإلهام أو الكشف كذلك ، فهما عامان وشائعان بين الناس . ولقد فرّق المستشرق الألماني الدكتور تيودور نولد كه ( 1836 - 1930 م ) بين الوحي والإلهام تفريقا فيه مزيج بين الواقع والصوفية ، فاعتبر الوحي خاصا بالأنبياء ، والإلهام خاصا بالأولياء إذ لا يوحي إليهم « 3 » . ويتجلى الفرق بين الإلهام والوحي بتعبير آخر ، وبتصور متغاير ، أن مصدر الإلهام باطني ، وأن مصدر الوحي خارجي ، بل الإلهام من الكشف المعنوي ، والوحي من الواقع الشهودي ، لأن الوحي إنما يتحصل بشهود الملك وسماع كلامه ، أما الإلهام فيشرق على الإنسان من غير واسطة
--> ( 1 ) ظ : مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : 167 وما بعدها . ( 2 ) ظ : د . جميل صليبا ، المعجم الفلسفي : 2 / 570 . ( 3 ) ظ : نولدكه ، دائرة المعارف الإسلامية : مجلد 9 مادة : الدين .