محمد حسين علي الصغير

159

تاريخ القرآن

بمناقشتها ، إذ لا تختلف عما تقدم أملاها الكذب والاستهانة بمقدرات الكتاب العظيم . وجميعها لا يشكل دليلا واحدا مقنعا على دعوى التحريف . وفي نهاية هذا الجانب نشير أن صاحب كتاب المباني قد عقد فصلا قيما في مقدمته بعنوان الفصل الرابع : ( في بيان ما ادعوا على المصحف من الزيادة والنقصان والخطأ والنسيان والكشف عنها بأوجز بيان ) . وقد تتبع فيه هذا الباب تتبعا إحصائيا وفند فيه مزاعم التحريف « 1 » . رابعا : الاتهامات ، يبدو أن العصر العباسي الأول قد اختار لدوافع سياسية أن ينمي روح التفرقة والخلاف بين مختلف المسلمين ، وأن يخلق من قضايا جزئية متواضعة أمورا كلية مهمة ، فنشأ عن ذلك القول بخلق القرآن بين قدمه وحدوثه ، وما جر ذلك من الولايات بين المسلمين على أنها قضية فكرية ، ويومها وجدنا التيارات تتقاذف بالآراء على السطح ، لتصم هذا بالكفر تارة ، وغيره بالنفاق تارة أخرى ، وسواهما بالزندقة أحيانا ، ونشأت هذه البذرة الخبيثة بين صفوف المسلمين ، ووجدت لها مناخا صالحا في تربة العصر العباسي الثاني ، حيث عمّق الفرقة ، وعصف بالوحدة ، فكانت الاتهامات المتبادلة تحبك بالظلام فتلقي بجرانها بين المسلمين ، فينقض هذا ما أبرم ذلك ، ويردّ ذلك على اتهامات ذه . وقد وجدت مسألة القول بالتحريف من هذه المسائل ، إذا استثنينا القول بنسخ التلاوة ، فكل طائفة من المسلمين تنزه نفسها عن القول بها ، وبعض المذاهب تنسب القول بها إلى البعض الآخر ، وبالنتيجة تجد الجميع يبرءون منها ، وهذا هو الصحيح . فالقاضي أبو بكر الباقلاني ( ت : 403 ه ) يكيل في نكت الانتصار السباب والتهم دون حساب لشيعة أهل البيت عليهم السّلام في القول بالزيادة والنقصان وعقد لذلك عدة أبواب « 2 » من كتابه لا تقوم على أساس علمي على الإطلاق ، ولا تخدم القرآن ولا المسلمين في كل الأحوال .

--> ( 1 ) مقدمتان في علوم القرآن : 78 - 116 . ( 2 ) ظ : الباقلاني ، نكت الانتصار : 95 - 103 + 239 - 242 وغيرها .