أبي عبد الله الزنجاني

45

تاريخ القرآن

« أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه » . وهذا الوجه هو الذي لا يراه العقل بعيدا ، فإن الاختلاف لو كان في المعنى بسبعة أوجه يفسر به المعنى ، فقد يفضي إلى معنيين متضادين ، فكيف يجيز النبي ( ص ) خلاف ما أراد اللّه بيانه من الآية ؟ مع أن الروايات الكثيرة دلت ان النبي ( ص ) صوّب قراءتهم . وغير خفى أن الآية لا تفسر بمعنيين متضادين ، قد يؤول إلى حلية ما حرّم وحرمة ما أحل ، واللّه تعالى يقول : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . وروى الأعمش عن أنس أنه قرأ هذه الآية إن ناشئة الليل هي أشدّ وطأ وأصوب قيلا « 2 » فقال له بعض القوم : يا أبا حمزة ! إنما هي أقوم ، فقال : أقوم وأصوب وأهدى واحد ، ويمكن أن يحمل الحديث على ما ذكره محمد بن عبد الكريم الشهرستاني « 3 » في تفسيره وقال : وقد قيل معنى قول النبي ( ص ) أنزل القرآن على سبعة أحرف إنها هي الجهات التي تحتملها الكلمات وهي ما اختلف فيها القراء السبعة من الإمالة والاشمام والادغام . وكان الصحابة إذا نقلوا آية من النبي ( ص ) أو سورة يترددون عليه غير مرة ، ويتلونها أمامه حتى يزداد تثبتهم من حفظها ، ويسألونه : هل حفظت كما أنزلت ؟ حتى يقرهم عليها . ذكر الحافظ الذهبي في « تذكرة الحفاظ » : روى خارجة بن زيد عن أبيه قال : أتى النبي ( ص ) المدينة وقد قرأت سبع عشرة سورة ، فقرأت على رسول اللّه ( ص ) فأعجبه ذلك وقال « يا زيد تعلّم لي كتابة يهود فإني ما آمنهم على كتابي » . قال : فحذقته في نصف شهر . وبعد الحفظ والإتقان كان كل حافظ ينشر ما حفظه ، ويعلمه

--> ( 1 ) سورة النساء : 82 . ( 2 ) سورة المزمل : 6 . ( 3 ) هو أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني متكلم فقيه . ولد سنة 467 ه وتوفي سنة 548 ه ، وله كتاب في التفسير اسمه « مفاتيح الاسرار ومصابيح الأبرار » وهو تفسير جليل مخطوط منه نسخة موجودة في دار الكتب في برلمان إيران .