أبي عبد الله الزنجاني
22
تاريخ القرآن
وكان الروم بعد اخفاق حملتهم على بلاد العرب بقيادة ( اليوسغالوس ) سنة 18 ق . م في عهد ( أوغسطوس ) قيصر قد عدلوا عن فتح البلاد عنوة ، وعولوا على الفتح السلمي ، واختاروا لمعاونتهم على ذلك ملوك غسان ، فأناطوا بهم مراقبة حدود بلاد العرب من جهة سوريا وفلسطين والسعي في بسط نفوذهم في البلاد العربية . واتبع الفرس من جانبهم مثل هذه السياسة ، واعتمدوا على المناذرة ملوك الحيرة ، وأناطوا بهم مقاومة نفوذ الروم ، ورفع شأن الفرس في بلاد العرب ، وكانت ديانة مملكة الروم النصرانية ، وديانة مملكة الفرس المجوسية ، أو تقديس مذهب زرادشت « 1 » . وكان المجوس يناوءون النصارى ويعضدهم اليهود . وقد انقسم النصارى طوائف شتى : يعاقبة ، ونساطرة ، واريوسيين ، وارثوذكس وغيرهم . وانقسم اليهود إلى ربانيين ، وقراءين ، وسامريين . وكان العرب في جزيرتهم يتخبطون في عبادة الكواكب والأصنام ، وقد دخل الجزيرة اليهودية والنصرانية من الشام ، والمجوسية من العراق ، وكان من العرب من اعترف بالخالق وأنكر البعث ، ومنهم من أنكر الخالق والبعث وقال بالطبع المحيي والدهر المفني ، وكلهم قالوا بالبخت والجن ، واشتغلوا بالتنجيم والسحر وتفسير الأحلام ، وكان من عاداتهم الذميمة : وأد البنات ، وعدم الرفق بالرقيق ، وشرب الخمر ، ولعب الميسر . وبالإجمال فقد كانت الفوضى في السياسة والإدارة والدين والأخلاق سائدة في الشرق كله ، وكان الشرق يتطلب الخروج من هذه الفوضى والراحة من شرها . فلما ظهر النبي محمد ( ص ) نادى قومه بقوله : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فصرف وجوههم عن الكواكب إلى ( القرآن الكريم ) فجاء آية في الفصاحة والبلاغة وحسن التنسيق ، وقد تضمن عقيدة التوحيد التي تقبلها الفطرة الإنسانية ، وتضمن فوق ذلك آدابا وحكما وشرائع وعلما وتاريخا
--> ( 1 ) متابعة مبدأ الخبر ومخالفة مبدأ الشر .