الشيخ محمد رشيد رضا
77
الوحي المحمدي
( ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا « 1 » ) . حدّثنا يحيى بن بكير ، قال حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم « 2 » ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه « 3 » - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق « 4 » وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : « أقرأ ، قال : ما أنا بقارئ « 5 » ، قال : فأخذني فغطّنى « 6 » حتى بلغ منّى
--> ( 1 ) كان من هذه الشدة عليه ما قاله العلامة ابن القيم في زاد المعاد : حتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها ، ولقد جاءه مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت ، فثقلت عليه حتى كادت ترضها أ . ه . ( 2 ) أكثر الرؤى أضغاث أحلام لها أسباب تثيرها في خيال النائم ، والرؤيا الصالحة نوع من انكشاف الحقائق للنفس المستعدة لإدراكها بما يكون وقت النوم من صفائها بعد اشتغالها بمدركات الحواس وما تثيرها من الخواطر والأفكار ، ورؤيا الأنبياء قبل وحى التشريع تمهيد وتأنيس للنفس تقوى استعدادها لتلقى الكلام الإلهى . ( 3 ) أصل التحنث ؛ اتقاء الحنث أي الذنب ، أو مقلوب التحنف وهو اتباع الحنيفية ملة إبراهيم ، وهو رواية ابن هشام . وقوله : وهو التعبد ، جملة تفسيرية لراوى الحديث وهو ابن شهاب الزهري فهو مدرج في الحديث ، والليالي ظرف متعلق بيتحنث . ( 4 ) وفي رواية « فجاءه الحق » ؛ أي بغته ولم يكن ينتظره ، والمراد به الوحي الصريح الذي هو كلام الله تعالى ، وهذه الرواية الثابتة في الصحيحين صريحة في أن هذا كان في اليقظة ، وفي سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق أن جبريل جاءه في المنام ، وهي من مراسيل عبيد بن عمير وهو ثقة وله صحبة ، ولكن رواية الصحيحين المسندة المرفوعة هي المعتمدة وجمع بعضهم بين الروايتين بأنه رآه أولا في المنام فاستقرأه ثم رآه في اليقظة ، ولو وقع هذا في المنام لزال خوفه ورعبه صلّى اللّه عليه وسلم بعد اليقظة ولم يذهب إلى خديجة يرجف فؤاده . ( 5 ) الظاهر : أن الأمر بالقراءة أمر تكوين لا تكليف - أي كن قارئا - ولذلك قال له في الثالثة : ( اقرأ باسم ربك ) أي كن قارئا باسمه ومن قبله وبأقداره إياك على القراءة ، لا بحولك وقوتك ، فهو يعلم أنك أمي لا يتعلق كسبك واستطاعتك بالقراءة ، أما وقد شاء ربك - الذي خلق - خلق الإنسان من علق ، وهو الحيوان المنوى أو أول ما تتحول إليه نطفة الزوجية بعد العلوق ، فجعله بشرا سويا ويبصر ويعقل - أن يجعلك قارئا لما يوحيه إليك لتقرأه على الناس فأنت تكون قارئا . ( 6 ) فسروا الغط بالضم الشديد الضاغط فقالوا : أي ضمني وعصرنى ، وفي رواية الطبري للحديث : « وأصل معناهما الغمس في الماء وضيق النفس ، وفسره بعضهم بالخنق وهو مبالغة لا تليق هنا . وحكمة هذا الغط تقوية روحانية النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى يقوى على الاتصال بالملك والفهم منه .