الشيخ محمد رشيد رضا

78

الوحي المحمدي

الجهد ، ثم أرسلني فقال : أقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّنى الثانية ، حتى بلغ منّى الجهد ، ثم أرسلني فقال : أقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطّنى الثالثة . ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ « 1 » [ العلق : 1 - 3 ] » ، فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى اللّه عنها فقال : « زمّلونى زمّلونى » فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : « لقد خشيت على نفسي « 2 » » فقالت خديجة : كلا واللّه ما يخزيك اللّه أبدا « 3 » إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به - خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة - وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب « 4 » ، وكان شيخا كبيرا قد عمى ، فقالت له خديجة : يا ابن

--> ( 1 ) اختصره هنا وزاد في التفسير الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . ( 2 ) اختلف العلماء في خوفه صلّى اللّه عليه وسلم على نفسه فقيل : خشي الجنون ، وأن يكون ما رآه من الجن . وقد أنكره ورده القاضي أبو بكر بن العربي ، ووافقه الحافظ حجر ولكن الحافظ قال : إنه روى من عدة طرق ( أقول ) وهو الظاهر مما أجابته به خديجة . واستشكل بأن الوحي يكون مقترنا بعلم قطعي بأنه من الله وأن الملقن له من الملائكة ، وأجيب بأن هذا العلم الضروري يحصل باستعراف الملك له وإعلامه إياه بذلك عند تلقينه الأمر بالتبليغ ، وإنما كان ظهور الملك له هذه المرة لأجل الإيناس والإعداد لتلقى وحى الأحكام ، والأمر فيه بالقراءة للتكوين لا للتكليف ، وإلا كان من تكليف ما لا يطاق . وقيل : إنه خاف على نفسه الموت أو الهلاك وهو قريب ، ثم أقوال أخرى متكلفة . وهو على كل حال يدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يفهم من هذه الرؤيا أنه صار نبيا ، ولا أن الذي رآه هو ملك الوحي جبريل عليه السلام ، ويؤيد ذلك مسألة ورقة . ( 3 ) الخزي : اسم معناه الذل والهوان . وأخزاه أذله وأهانه . والكل : ( بفتح الكاف ) المتعب ، ومن هو عالة على غيره ، وحمله : إعطاؤه راحلة يركبها أو حمل أثقاله ، وتكسب بفتح التاء ، وضمها لغة ورواية ، والمعدوم المفقود ( قيل ) ولا يظهر معناه إلا بتكلف وقال الخطابي : الصواب المعدم وهو الفقير الفاقد لما يكفيه أ . ه . لكن الرواية « المعدوم » وهو وصف لمحذوف ، وتكسب الثلاثي من الكسب يتعدى بنفسه إلى مفعولين حذف أولهما ، والمعنى : وتجعل المحتاج العاجز عن الكسب كاسبا للشيء المعدوم الذي يفقده ببذله له أو بمساعدته على كسبه ، والإعانة على نوائب الحق كلمة جامعة لكل أعمال البر والنجدة والمروءة فيما عدا الباطل . وما رغب خديجة في التزوج به صلّى اللّه عليه وسلم إلا هذه الفضائل التي أحاطت بها خبرا بمعاشرته الزوجية ؛ ولذلك عد بعض علماء الإفرنج إيمانها به أصح شهادة له . ( 4 ) وفي رواية البخاري في كتاب التفسير من صحيحه : يكتب من الإنجيل بالعربية ، وفي معناها رواية