الشيخ محمد رشيد رضا
56
الوحي المحمدي
إن الكتاب الإلهى الوحيد الذي نقل بنصه الحرفي تواترا عمن جاء به بطريقتى الحفظ والكتابة معا هو القرآن ، وأن النبىّ الوحيد الذي نقل تاريخه بالروايات المتصلة الأسانيد حفظا وكتابة هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فالدين الوحيد الذي يمكن أن يعقله العلماء المستقلون في الفهم والرأي ويبنوا عليه حكمهم ، هو الإسلام . وأما خلاصة ما يمكن الاعتراف به من الأديان السابقة لثبوت قضاياه الإجمالية بالتواتر المعنوي ، فهو أنه وجد في جميع أمم الحضارة القديمة دعاة إلى عبادة اللّه تعالى وحده ، وإلى العمل الصالح ، وإلى ترك الشرور والرذائل ، منهم أنبياء مبلغون عن اللّه تعالى مبشرين ومنذرين ، كما أنه وجد فيهم حكماء يبنون إرشادهم على الاحتجاج بما ينفع الناس ويرضهم بحكم العقل والتجربة ، ووجد في جميع ما نقل عن الفريقين أمور مخالفة للعقل ولما ينفع الناس ، وأمور خاصة بأقوامهم وبزمانهم ، وخرافات ينكرها العقل وينقضها العلم . وإذا كان الإسلام ونبيّه هو الدين الوحيد الذي عرفت حقيقته وتاريخه بالتفصيل ؛ فإننا نذكر هنا شبهة علماء الإفرنج الماديين ومقلدتهم عليه ، بعد مقدمة في شهادتهم الإجمالية له ، تمهيدا لدحض الشبهة ، ونهوض الحجة ، فنقول : درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه صلّى اللّه عليه وسلم درس علماء الإفرنج تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده على طريقتهم في النقد والتحليل ، ودرسوا السيرة النبوية المحمدية وفلوها فليا ونقشوها بالمناقيش ، وقرءوا القرآن بلغته وقرءوا ما ترجمه به أقوامهم ، وكانوا على علم محيط بكتب العهدين القديم والجديد ، وتاريخ الأديان ولا سيما الديانتين اليهودية والنصرانية . وربما كتبه المتعصّبون للكنيسة من الافتراء على الإسلام والنبىّ والقرآن مما أشرنا إلى بعضه آنفا ، فخرجوا من هذه الدروس كلّها بالنتيجة الآتية : « إن محمدا كان سليم الفطرة ، كامل العقل ، كريم الأخلاق ، صادق الحديث ، عفيف النفس ، قنوعا بالقليل من الرزق ، غير طموح بالمال ، ولا جنوح إلى الملك ، ولم يعن بما كان يعنى به قومه من الفخر ، والمباراة في تحبير الخطب ولا قرض الشعر ، وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات الوثنية ، ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية ، كالخمر والميسر وأكل أموال النّاس بالباطل ، وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان صادقا فيما ادعاه بعد استكمال الأربعين من سنّه من رؤية ملك الوحي ، وإقرائه إياه هذا القرآن ، وإنبائه بأنه رسول من اللّه لهداية قومه فسائر الناس » .