الشيخ محمد رشيد رضا

48

الوحي المحمدي

العجائب وما للمسيح منها جاء في تعريف العجائب وأنواعها من قاموس الكتاب المقدس ما نصه : « وعجيبة : حادثة تحدث بقوة إلهية خارقة مجرى العادة الطبيعية لإثبات إرسالية من جرب على يده أو فيه . والعجيبة الحقيقية هي فوق الطبيعة لا ضدّها ، تحدث بتوقيف نواميس الطبيعة لا بمعاكستها ، وهي إظهار نظام أعلى من الطبيعة يخضع له النظام الطبيعي ، ولنا في فعل الإرادة مثال يظهر لنا حقيقة أمر العجائب إذ بها ترفع اليد ، وبذلك نوقف ناموس الثقل « 1 » ، ويتسلط اللّه على قوى الطبيعة ويرشدها ويمد مدارها ويحصره لأنها عوامل لمشيئته ، ويناط فعل العجائب باللّه وحده أو بمن سمح له بذلك . وإذا آمنا بالإله القادر على كلّ شئ لم يعسر علينا التسليم بإمكان العجائب ، وكانت العجيبة الأولى خليقة الكون من العدم بإرادته تعالى ، أما المسيح فأقنومة عجيبة أدبية عظيمة ، وعجائبه لم تكن إلا إظهار هذا الأقنوم وأعماله ، وإذا آمنا بالمسيح ابن اللّه العديم الخطية لم يعسر علينا تصديق عجائبه . أما الشيطان فعجائبه كذابة » . « ولا بد من العجائب لتعزيز الديانة ؛ فكثيرا ما يستشهد المسيح بعجائبه لإثبات لاهوته وكونه المسيح ، وكان يفعلها لتمجيد اللّه ولمنفعة نفوس الناس وأبدانهم ، وكان يفعلها ظاهرا أما جماهير أصحابه وأعدائه ولم ينكرها أعداؤه غير أنهم نسبوها ليعلزبول « 2 » ، وسواء امتحناها بالشهادة من الخارج وبمناسبتها إلى إرساليته الإلهية التي ظهرت لكل من كان خاليا من الغرض صحيحة . فإذا لم نسلم بصحتها التزمنا أن نقول إن مقرريها كذابون ، الأمر الذي لا يسوغ ظنه بالمسيح والرسل « 3 » .

--> ( 1 ) أي سنة جاذبية الثقل التي تقتضى سقوط الأجسام إلى مركز الأرض . . ( 2 ) أي أن الشيطان والأناجيل تثبت العجائب للشيطان كما صرح به آنفا ، بل يبالغون في عجائبه وتصرفه في العالم ، ومن أسمائه عندهم : إله هذا الدهر ، قال في قاموس الكتاب المقدس : ( قلنا في شخصيته نفس البراهين التي لنا في شخصية الروح القدس والملائكة ) « راجع ص 650 ج 1 » وتعجب من أهل هذا الدين . ( 3 ) هذا استدلال غير منطقي ولا تقوم به الحجة على المنكر ، ولا يحتاج إليه المعترف المقلد وحاصله : إما أن نسلم بصحة هذه العجائب ، وأما أن نقول إن رواتها كاذبون ، لكن كذب رواتها لا يسوغ أن يظن بالمسيح والرسل فثبت أنها صحيحة ، والمنكر يسوغ كذب الناقلين لها ، وله أن يسلم الشرطية المنفصلة ويمنع الاستثناء ويعده مصادرة ، إذ جعل كلا من ثبوت كونه مسيحا من الله وكونهم رسلا متوقفا على صدقها ، وصدقها متوقفا على ثبوت ذلك وهذا دور محال .