الشيخ محمد رشيد رضا
45
الوحي المحمدي
صد الكنيسة عن الإسلام إن رجال الكنيسة لم يجدوا ما يصدون به أتباعها عن الإسلام بعد أن رأوه قد قضى على الوثنية والمجوسية ، وكاد يقضى على النصرانية في الشرق ، ثم امتد نوره إلى الغرب . إلا تأليف الكتب ونظم الأشعار والأغانى في ذم الإسلام ونبيه وكتابه بالإفك والبهتان ، وفحش الكلام ، الذي يدل على أن هؤلاء المتديّنين أكذب البشر ، وأشدّهم عداوة للحقّ والفضيلة في سبيل رياستهم التي يتبرأ منها المسيح عليه صلوات اللّه وسلامه . وقد كان أتباعهم يصدقون ما يقولون ويكتبون ، ويتهيجون بما ينظمون وينشدون ، حتى إذا ما اطلع بعضهم على كتب الإسلام ، ورأوا المسلمين وعاشروهم ففضحوهم أقبح الفضائح كما ترى في كتاب ( الإسلام خواطر وسوانح ) للكونت دىكاسترى ، وكما ترى في الكتاب الفرنسي الذي ظهر في هذا العهد باسم ( حياة محمد ) للمسيو درمنغام وهذان الكاتبان الفرنسيان من طائفة الكاثوليك اللاتين ، وقد صرحا كغيرهما بأن كنيستهما هي البادئة بالظلم والعدوان ، والإفك والبهتان ، واعترفا بأدب المسلمين في الدفاع « 1 » .
--> ( 1 ) قال مسيو درمنغام في كتابه « حياة محمد » ما ترجمته العربية بقلم الدكتور محمد حسين بك هيكل : « لما نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتسعت هوة الخلاف وسوء الفهم بطبيعة الحال وازدادت حدة ، ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أكبر الخلاف . فمن المجادلين البيزنطيين الذين أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلفوا أنفسهم - فيما خلا جان داماسين - مؤنة دراسته ، ولم يحارب الكتاب والنظامون ( يعنى الشعراء ) مسلمى الأندلس إلّا بأسخف المثالب ، فقد زعموا محمدا لص نياق ( أي إبل ) وزعموه متهالكا على اللهو ، وزعموه ساحرا ، وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطرق ، بل زعموه قسا رومانيا مغيظا إن لم ينتخب لكرسى البابوية . . . وحسبه بعضهم إلها زائفا « يقرب له عباده الضحايا البشرية » وأن جبير دنوجن نفسه وهو رجل جد ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكر بين ( كذا ) وأن جسده وجد ملقى على كوم من الروث وقد أكلت منه الخنازير ، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله حرم الخمر وحرم لحم ذلك الحيوان . . . وذهبت الأغنيات إلى حد أن جعلت محمدا صنما من ذهب ، وجعلت المساجد الإسلامية برابى ( معابد أصنام ) ملأى بالتماثيل والصور . وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم ( ماهوم ) مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء ، وأما أغنية رولان التي تصور فرسان شارلمان يحطمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمى الأندلس يعبدون ثالوثا مكونا من ترفاجان وماهوم ( ويعنون به محمدا عليه السلام ) وأبولون . وتحسب