الشيخ محمد رشيد رضا

40

الوحي المحمدي

ويظهر أن كثيرين من الذين تعلّموا في تلك المدارس لم يعطوا قوة على الأنباء بما سيأتي . إنما اختص بهذه الخصوصية أناس منهم كان اللّه يقيمهم وقتا دون آخر حسب مشيئته ، ويعدهم بتربية فوق العادة لواجباتهم الخطيرة على أن بعض الأنبياء الملهمين كان يختصهم اللّه بوحيه ولم يتعلموا من قبل ولا دخلوا تلك المدارس ، كعاموس مثلا فإنه كان راعيا وجانى جميز « 1 » . « أما النبوة فكانت على أنواع مختلفة كالأحلام والرؤى والتبليغ ، وأحيانا كثيرة كان الأنبياء يرون الأمور المستقبلة بدون تمييز أزمنتها فكانت تقترن في رؤاهم الحوادث الرقيبة العهد مع البعيدة . كاقتران نجاة اليهود من الأشوريين بخلاص العالم بواسطة المسيح ، وكانتصار إسكندر ذي القرنين بإتيان المسيح ، وكاقتران انسكاب الروح القدس يوم الخميسين بيوم الحشر ، ومن هذا القبيل اقتران خراب أورشليم بحوادث يوم الدينونة . وقد أرسل اللّه الأنبياء الملهمين ليعلنوا مشيئته وليصلحوا الشؤون الدينية ، وعلى الأخص ليخبروا بالمسيح الآتي لتخليص العالم ، وكانوا القوة العظيمة الفعالة في تعليم الشعب وتنبيههم وإرشادهم إلى سبيل الحق ، وكان لهم دخل عظيم في الأمور السياسية » أه بنصه . بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها أما تفسير الإلهام بحلول روح اللّه في روح الملهم فهو تحكم للنصارى لا يعرفه ولا يعترف به أنبياء بني إسرائيل ولا علماؤهم ، ولا يمكنهم إثباته ولا دفع ما يرد عليه من وقوع التعارض والتناقض والخلق فيما كتبه أولئك الملهمون ، وما خالفوا فيه الواقع ، وقد أشار إلى ذلك بقوله : « إن في شرح ذلك التعليم دقة ، وأن العلماء اختلفوا في شرحه » إلخ ، ومن حلّ فيه روح اللّه صار إلها ، إذ المسيح لم يكن إلها عند النصارى إلا بهذا الحلول ، فكيف يقع في مثل ما ذكر ويتخلف وحيه أو يخالف الواقع ؟ وأما كلامهم في النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتي : 1 - إن أكثر أنبياء بني إسرائيل كانوا يتخرجون في مدارس خاصة بهم يتعلمون فيها تفسير شريعتهم التوراة ، والموسيقى والشعر ، وأنهم كانوا شعراء ومغنيين وعازفين على آلات الطرب ، وبارعين في كل ما يؤثر في الأنفس ويحرك الشعور والوجدان ، ويثير رواكد الخيال ، فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل ( اؤرتحششتا ) ومغنيين له ، وأن يكونا قد استعانا بتأثير غنائمهما في نفسه على سماحه لهما بالعودة بقومهما إلى وطنهما وإقامة دينهما فيه .

--> ( 1 ) أي كانت له حرفتان هما راعى المواشي وقطف ثمر الجميز لأصحابه .