الشيخ محمد رشيد رضا
41
الوحي المحمدي
فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها في المدارس ، ويستعان على الإقناع بها بالتخيلات الشعرية ، والإلهامات الكلامية ، والمؤثرات الغنائية والموسيقية والمعلومات المكتسبة ، فأين هي من نبوة محمد الأمى الذي لم يتعلم شيئا ، ولم يقل شعرا ، وقد جاء مفردا بأعظم مما جاءوا به كلّهم أجمعون مجتمعا ؟ 2 - إن كثيرا من هؤلاء الأنبياء وأولادهم كانوا متنسّكين أو طوّافين على الناس يعيشون ضيوفا عند الأتقياء المحبّين لرجال الدين . كما هو المعهود من دراويش المتصوفة أهل الطرق في المسلمين ، ومن المعلوم أن هؤلاء المحبين يقبلون من رجال التنسك كل ما يقولون ، ويسلمون لهم كل ما يدعون ، ويذيعون عنهم كل ما يقبلون منهم ، ومن غير هؤلاء الكثيرين من الأنبياء من نقلت عنهم كتبهم المقدسة بعض كبائر المعاصي ، وإن من أخبار الصوفية والنسّاك والسيّاح عند المسلمين من تفضل سيرتهم سيرة هؤلاء الأنبياء في كتبهم ، فكيف يصح أن يرتفع أحد منهم إلى درجة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في نشأته الفطرية ومعيشته من كسبه ، وكونه لم يكن عالة على الناس في شئ قبل النبوة ولا بعدها ؟ 3 - أشهر أنواع نبوتهم الأحلام والرؤى المنامية والتخيلات المبهمة ، وكلها تقع لغيرهم ، وقد كانت الرؤيا الصادقة مبدأ نبوة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم قبل وحى التشريع الذي كان له صور أعلى منها سنبينها بعد « 1 » ؛ والرؤى صور حسية في الخيال تذهب الآراء والأفكار في تعبيرها مذاهب شتى ، قلما يعرف تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التي عبرها يوسف عليه السلام ، ورؤياه وهو في صغره . 4 - إن نبوة الإخبار عن الأمور المستقبلة - وهي التي يستدلون بها على كونهم مخبرين عن اللّه تعالى - كانت أحيانا كثيرة بدون تمييز أزمنتها ولا حوادثها ، فكان بعضها يختلط ببعض ، فلا يكاد يظهر المراد منها إلا بعد حملها على شئ واضح بعد وقوعه ، كما يعهد في كل عصر من أخبار العرافين والمنجمين . بله الروحانيين المكاشفين ، ومنها ما ظهر خلافه كما أشار إليه ولم يشرحه ، ولكن التاريخ شرحه . وكان أعظم نبوات هؤلاء الأنبياء إخبارهم عن المسيح ( مسيا ) وملك إسرائيل ولا يزال اليهود ينتظرونها « 2 » ، ثم إخبار المسيح نفسه عن خراب العالم ومجىء الملكوت لأجل دينونة العالم ، وأنه لا ينقضى الجبل الذي خاطبه حتى يكون ذلك كله ، وقد مرت أجيال كثيرة ولم يكن من ذلك شئ .
--> ( 1 ) قد بينتها في الفصل الأول الذي زدته في هذه الطبعة الثانية أيضا . ( 2 ) أي ينتظرون صدق هذه النبوة .