الشيخ محمد رشيد رضا

27

الوحي المحمدي

بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء : 192 - 195 ] وفي تخيل الملك بزعمهم . وسنشرح هذا الزعم ونبسط شبهاته ونبطلها ، ونثبت أنّ هذا القرآن وحى من اللّه تعالى ينزل من فوق السماوات العلى ، لا يمكن أن يكون فائضا في هذه الأرض من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم وهو موضوع كتابنا هذا . وأعلم أيها القارئ أن تقسيم المتكلمين كلام اللّه تعالى إلى نفسي قديم قائم بذاته سبحانه ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة ، وكلام لفظي هو المنزل على الأنبياء عليهم السلام ، ومنه الكتب الأربعة ، وخلافهم في كونه مخلوقا أو غير مخلوق هو اصطلاح كله فلسفة وآراء نظرية مبتدعة ، لم يرد به كتاب ولا سنة وهو تعرض للبحث التحليلي لذات اللّه تعالى وصفاته ، ومثار للوسواس الشيطاني فيه فاجتنبه ، واستعذ باللّه منه ، وحسبك أن تؤمن بأن الكلام صفة كمال تتعلق بكل ما يتعلق به العلم ، إلا أن تعلق العلم عبارة عن انكشاف المعلومات للعالم ، وتعلّق الكلام عبارة عن كشف العالم ما شاء من علمه لمن شاء ، وأن اللّه تعالى متصف بكمال العلم والتعليم ، وكمال الكلام والتكليم ، وأن هذا وغيره مما وصف به نفسه في كتابه لا ينافي كمال تنزيهه تعالى عما لا يليق به من نقائص عباده ولا يقتضى مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال ، فإن الاشتراك في الأسماء لا يقتضى الاشتراك في المسميات ، وأسماء الأجناس المقولة بالتشكيك في الممكنات تختلف من وجوه كثيرة منها النقص والكمال ، فكيف بها إذا كانت مشتركة بين الخالق والمخلوقات ؟ فذاته تعالى أكمل من ذواتهم ، ووجوده أعلى من وجودهم ، وصفاته أسمى من صفاتهم ، وهو أعلم ، ورسوله أعلم منهم بصفاته وأفعاله ، فعليك أن تؤمن بما صح عنهما من إثبات ونفى ، ومن غير زيادة ولا نقص ، بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل ، وليس عليك ولا لك أن تحكم رأيك وعقلك في كنه ذاته ولا صفاته ، ولا في كيفية مناداته وتكليمه لرسله ، ولا في كنه ما هو قائم به ، وما يصدر عنه ، وعلى هذا كان أصحاب الرسول وعلماء التابعين ، وأئمة الحديث والفقه ، قبل ظهور بدعة المتكلمين .