الشيخ محمد رشيد رضا
28
الوحي المحمدي
النبي معناه لغة وشرعا والفرق بين الرسول وغيره النبيء في اللغة العربية : وصف من النبأ ، وهو الخبر المفيد لما له شأن مهم ، ويصح فيه معنى الفاعل والمفعول ، لأنه منبئ عن اللّه ومنبأ منه ، والنبي بالتشديد أكثر استعمالا ، أبدلت الهمزة فيه ياء ، أو هو : من النبوة وهي الرفعة والشرف . ويطلق عند أهل الكتاب على الملهم الذي يخبر بشيء من أمور الغيب المستقبلة . وقيل إن معنى أصل مادته في العبرانية القديمة : المتكلم بصوت جهوري مطلقا ، أو في الأمور التشريعية ، وهو عندنا : من أوحى اللّه إليه وحيا ، فإن أمره بتبليغه كان رسولا ، فكل رسول نبي ، وما كان نبي رسولا ، فقوله تعالى : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ الأحزاب : 40 ] يدل على انقطاع النبوة والرسالة معا بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فكل من ادعى أو يدعى الوحي الشرعي من اللّه تعالى بعده فهو كاذب مضل ، وقد ادعى النّبوة كثيرون فظهر كذبهم ، ولم يأت أحد ادعى النبوة بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلم بشيء من الإصلاح الديني الذي يحتاج إليه البشر ، بل رأينا كتبهم وأقوالهم طافحة بمدح أنفسهم واللغو في إطرائها ودعاويها الباطلة ، التي يراد بها إخضاع العوام لهم واستعبادهم إياهم ، كالذي نعهد في الدجالين من مدعى الولاية ومعرفة الغيب والتصرف الروحاني في نفع الناس وضرهم . ويدحض هذا وأمثاله ما بينه اللّه في كتابه الحق من وظائف الرسل كافة ، وخاتم النبيين خاصة ، كما نراه في موضعه من هذا الكتاب ، وكذا ما علم بالتواتر من شمائله وأخلاقه صلّى اللّه عليه وسلم من التواضع وكراهة الدعوى والإطراء والنهى عنه . ويرى قارئ هذا الكتاب فيه أن ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلم من كتاب اللّه وما بينه به من سننه كاف شامل لكل ما يحتاج إليه البشر من هداية الدين لا يحتاجون إلى غيره .