الشيخ محمد رشيد رضا
261
الوحي المحمدي
عقد هذا المؤتمر فلن يكون أمثل ولا أرجى من هذه المؤتمرات التي تعقدها الدول في جامعة الأمم وعواصم السياسة ، وهي لم تزد الأدواء القومية إلا إعضالا ، والأخطار الدولية إلا تفاقما ، والشعوب التي تتصرف بثروة العالم إلا فقرا ، وإنما الدواء الواقى المضمون بين أيديهم وهم لا يبصرون ، وحجته البينة تناديهم ولكنهم لا يسمعون ، قال الله تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال : 23 ] . وأما أنتم أيّها العلماء المستقلو العقول والأفكار ، فالمرجو منكم أن تسمعوا وتبصروا ، وأن تعلموا فتعلموا ، فإن كانت دعوة القرآن لم تبلغكم حقيقتها الكافلة لإصلاح البشر ، على الوجه الصحيح الذي يحركك النظر ، بما ضرب دونه من الحجب أو لأنكم لم تبحثوا عنها بالإخلاص مع التجرد من التقاليد المسلمة عندكم والأهواء ، ولأنّ الإسلام ليس له زعامة ولا جماعات تثبت دعوته ، ولا دولة تقيم أحكامه وتنفذ حضارته ، بل صار المسلمون في جملتهم حجة على الإسلام وحجابا دون نوره ، إلى غير ذلك من الحجب والأسباب ، التي بينتها في مقدمة هذا الكتاب فأرجو أن يكون هذا الكتاب كافيا في بلوغ الدعوة إليكم بشرطها المناسب لحال هذا العصر ، فإن ظهر لكم بها الحقّ فذلك ما نبغي ونرجو لخير الإنسانية كلها ، وإن عرضت لكم شبهة فيها ، فالمرجو من حبّكم للعلم ، وحرصكم على استبانة الحق ، أن تشرحوها لنا لنعرض عليكم جوابنا عنها ، والحقيقة بنت البحث كما تعلمون . ولا أراكم تعدون من الشبهات الصادرة عن الإسلام ( بعد أن ثبتت أصوله بما ذكرنا ) أن فيه أخبارا عن عالم الغيب الذي وراء المادة لا دليل عليها عندكم ، فإنما مصدر الدين عالم الغيب ، ولو كان مما يعلمه البشر بكسبهم ، ويدينون به لما كانوا في حاجة إلى تلقيه من الوحي ، وقد بينّا أنّ تعاليم القرآن قد أثبتت أنه وحى من عالم الغيب ، وقامت برهانا على وجود الله علمه وحكمته ، فوجب أن تؤخذ أخباره بالتسليم ، وحسبكم أنه ليس فيه منها ما يقوم البرهان على استحالته ، وإنّ منها ما كان يعدّ من وراء إدراك العقل ، ثم كان من ثمرات العلم أن أثبت وجود مثله بالفعل ، كتخاطب أهل الجنة وأهل النار وترائيهم وهم فيهما على ما بينهما من البعد ، ولا تكونوا ممن قال الله تعالى فيهم : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ آل عمران : 66 ] .