الشيخ محمد رشيد رضا

262

الوحي المحمدي

معجزات القرآن الطبيعية والفلكية : وأما أخبار القرآن عن عالم الغيب المادي من تكوين وتاريخ ، فمن معجزاته الإيجابية أنه جاء فيه كثير من التعبيرات التي كشف العلم والتاريخ في القرون الأخيرة من معانيها ما لم يخطر في بال أحد من أهل العصر الذي نزل فيه . ومن معجزاته السلبية : أنه لم يثبت على توالى القرون بعد نزوله شئ قطعي شيئا من أخباره القطعية ، على أن تكون أخباره هذه إنما جاءت لأجل الموعظة والعبرة والتهذيب ، ويكفى في مثل هذا أن تكون الأخبار على المألوف عند الناس ، ولا ينتقد عليها إذا لم تشرح الحقائق الفنية والوقائع التاريخية لأنها ليست مما يبعث الرسل لبيانه ، ومنها ما لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتعمق في العلم أو الاستعانة بالآلات التي لم تكن معروفة عند المخاطبين الأولين بالوحي ، بل لا يصح أن يأتي فيها ما يجزمون بإنكاره بحسب حالتهم العلمية لئلا يكون فتنة لهم ، وقد قال نبي الإنسانية العام : « أنتم أعلم بأمور دنياكم » ، رواه مسلم في صحيحه . ومن دقائق تعبير القرآن في النوع الأول ( التكوين ) التي اختلف في فهمها الناس أن مادة الخلق « دخان » وهو عين ما يسمى السديم ، وأنّ السّماوات والأرض كانتا رتقا ( أي مادة واحدة متصلة ) ففتقهما الله وجعل كلا منهما خلقا مستقلا ، وبث فيهما أنواع الدواب ، ولم يكن أحد يعتقد أو يتصور أن في شئ من هذه الأجرام السماوية حيوانا ، وأنه جعل من الماء كل شئ حي ، وأنه خلق جميع الأحياء النباتية والحيوانية أزواجا ، فجعل في كل منهما ذكرا وأنثى ، وأنه جعل كل نبات موزونا ، يعنى أن عناصره متوازنة على نسب مقدرة ، وأنه أرسل الرياح لواقح ، وأنه يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ والتكوير هو اللف على الجسم المستدير ، وهو صريح في كروية الأرض ودورانها اللذين كانا موضوع الجدال والنضال بين العلماء إلى عهد قريب بعد الإسلام ، وأمثال هذا فيه كثير حتى إن بعض آياته في الشمس والقمر والنجوم وسبحها في أفلاكها وجريانها إلى أجل مسمى ، وفي تناثر الكواكب عند خراب العالم لا تفهم فهما صحيحا إلا في ضوء علم الفلك الحديث . وأعجب منه إثباته أنّ للخلق سننا لا تتبدل وبيانه لكثير منها ، ومن سنن الاجتماع التي لم يهتد البشر إليها بالبحث العلمي إلا بعد بيان القرآن لها بقرون ، ولم أوردها في هذا البحث ، لأنها قد يقال إنها مما يعرف بالعقل ، وليس من موضوع الوحي . وسأفصلها في الجزء الثاني المتمم لهذا الكتاب .