الشيخ محمد رشيد رضا

252

الوحي المحمدي

خلاصة البحث في تحرير الدلالة على إثبات الوحي وحجة الله به على جميع الخلق راجع ما تقدم من الكلام على الوحي والنبوة وآيات الأنبياء عندنا وعند النصارى ، ومن الكلام في تفنيد شبهة الوحي النفسي ، والكلام في إعجاز القرآن اللغوي والعلمي وما أحدثه من الثورة العالمية والانقلاب الإنسانى من كل وجه ، ثم أضف إليها تلك العشرة أنواع من مقاصد القرآن ، وفي إصلاح البشر وتكميل نوع الإنسان ، من جميع نواحي التشريع الروحي والأدبي والاجتماعي والمالى والسياسي ، وهي التي اشتدت حاجة الشعوب والدول إليها في هذا العصر ، موضحة بما بينّاه من أصول وقواعد في الإسلام ، هي أصحّ وأكمل وأكفل للمصالح العامة ، ودفع المفاسد القديمة والطارئة من كل ما سبقها من تعاليم الأنبياء ، وفلسفة الحكماء وقوانين الملوك والحكام ، على اختلاف العصور ، مع العلم القطعي من تاريخ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان أميا يؤثر بطبعه عيشة العزلة ، فلم يتفق له الاطلاع على كتب الأنبياء ولا غيرها من الكتب والقوانين ، وأنه لم يعرف عنه أنه كان يبحث في شئ من العلوم ، ولا أنه نطق بشيء من مسائلها ، ولا أنه عرف بالبلاغة والفصاحة ، أو عنى بالشعر أو الرجز أو الخطابة ، والعلم القطعي بأنه إنما جاء بها في هذا القرآن بعد استكمال سن الأربعين وهي سن لم يعرف في استعداد أنفس البشر ومدركات عقولهم ولا في تاريخهم أن صاحبها يأتنف مثلها ائتنافا لم يسبق له البدء بشيء منه في أنف عمره ، وآنفه شبابه وشرخه . راجع هذا كله وتأمّل جملة واحدة تجد عقلك مضطرا إلى الجزم بأن هذا في جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أمي أو متعلم ، وأنه لا يعقل إلا أن يكون وحيا من الله تعالى اختصه به . فإذا فرضنا أنه يحتمل أن يكون شئ منها من تأثير الوراثة والبيئة والتربية ، وأن يكون قد تسرب إلى ذهنه بعض مسائلها من أفواه عقلاء قومه أو غيرهم ممن لقى في أسفاره القليلة ، أو أنه فكر في حاجة البشر إلى مثلها بما أدركه بذكائه الفطري من سوء حالهم ، فهل يعقل أن تكون تلك الفلتات الشاردة ، وهذه الخطرات الواردة ، تبلغ هذا الحد من التحقيق والوفاء بحاجة الأمم كلها ، وأن تظل كلها مكتومة من سن الصبا وعهد حب