الشيخ محمد رشيد رضا

227

الوحي المحمدي

جزيرتهم معقلا للإسلام وحده على اتساع سياسته مع غيرهم بإقرارهم على أوطانهم وأديانهم . وبينت فيه أن بعض الصحابة كان قد ثقل عليهم نبذ عهود المشركين المقتضى لقتالهم مع سبقهم لنقض العهد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بيّن اللّه لهم ذلك بأنهم إنما نقضوا عهده ونكثوا أيمانهم ؛ لأنهم لا عهود لهم يلتزمونها بعقيدة وجدانية ، ولا نظام متبع ، وقال اللّه تعالى : أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ التوبة : 13 ] أي بالقتال ثم بنقض العهد فهم المعتدون « 1 » . وإنما اشتبه على الغافلين الأمر بما كان في بعض الغزوات والسرايا من بدء المسلمين بها ذاهلين عن حالة الحرب بينهم وبين المشركين باعتداء المشركين الأول واستمراره ، فالدفاع لا يشترط أن يكون في كل معركة وكل حركة . وهذا الذي كان في آخر أحكام القتال معهم يؤيد ما نزل في أول الإذن للمسلمين بالقتال وهو قوله تعالى في [ سورة الحج ، الآيتان : 39 ، 40 ] : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ، وتتمة الآيات في القاعدة الثانية . ولما نقضوا العقد الذي عقده النبي صلّى اللّه عليه وسلّم معهم في الحديبية في أواخر سنة ست للهجرة وعزم على فتح مكة سنة ثمان نزلت سورة الممتحنة ( 60 ) في النهى عن ولاية المشركين ، وفيها التصريح بأن النهى خاص بالذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من وطنهم لأجل دينهم ، فهو نهى عن موالاتهم ومودتهم دون البر والعدل إلى كل مشرك . فتأمل الآيات 7 ، 8 ، 9 منها . القاعدة الثانية : في الغرض من الحروب ونتيجتها هي أن تكون الغاية الإيجابية من القتال - بعد دفع الاعتداء والظلم واستتباب الأمن - حماية الأديان كلها من الاضطهاد فيها أو الإكراه عليها ، وعبادة المسلمين للّه وحده وإعلائهم كلمته ، وتأمين دعوته ، وتنفيذ شريعته ، وهي في مصلحة البشر كلهم وإسداء الخير إليهم ، لا الاستعلاء عليهم والظلم لهم .

--> ( 1 ) راجع تفسير هذه الآيات ، من أوائل سورة التوبة في الجزء العاشر - تفسير المنار .