الشيخ محمد رشيد رضا
228
الوحي المحمدي
والشاهد الأول قوله تعالى بعد ذلك الإذن لهم بالقتال الذي تلوناه آنفا : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [ الحج : 40 ، 41 ] . ذكر في تعليل إذنه لهم بالقتال المذكور ثلاثة أمور : ( أولها ) : كونهم مظلومين معتدى عليهم في أنفسهم ، ومخرجين نفيا من أوطانهم وأموالهم لأجل دينهم وإيمانهم ، وهذا سبب خاص بهم بقسميه الشخصي والوطني ، أو الديني والدنيوي . وقد جعلنا هذه الغاية للقتال قاعدة مستقلة من قواعد سورة الأنفال معبرين عنها « بحرية الدين ومنع فتون أحد واضطهاده لإرجاعه عن دينه » ، واستدللنا عليها بقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ الأنفال : 39 ] وقد كان المشركون يضطهدون المسلمين بكل ما قدروا عليه من الإيذاء والتعذيب لأجل ردهم عن دينهم ، وأما المسلمون فلم يفعلوا ذلك في الصدر الأول ، ومن عساه شذ عن ذلك قليلا بعده فقد خالف حكم الإسلام الذي حرم الفتنة والاضطهاد والإكراه في الدين وشرع فيه الاختيار ، بل جعله شرطا لصحته . ( ثانيها ) : أنه لولا إذن اللّه للناس بمثل هذا الدفاع لهدمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم اللّه تعالى اتباع الأنبياء كصوامع العباد ، وبيع النصارى ، وصلوات اليهود « كنائسهم » ومساجد المسلمين . بظلم عباد الأصنام . ومنكري البعث والجزاء ، وهذا سبب ديني عام صريح في حرية الأديان في الإسلام ، وحماية المسلمين لها ولمعابد أهلها . وكذلك كان . ( فإن قيل ) : ولما ذا لم يقر الإسلام المشركين على دينهم كما أقر اليهود والنصارى والمجوس ؟ ( قلت ) : إن الشرك الذي كان عليه العرب لم يكن دينا مبنيا على عبادة اللّه ومصلحة عباده كسائر الأديان حتى التي خالطها الشرك . فإنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث والجزاء على الأعمال عند اللّه تعالى على قاعدة « إن خيرا فخير . وإن شرا فشر » ، ولا كانوا يدينون اللّه تعالى بعمل الصالحات وتحريم المنكرات فأصول الدين العامة قوله تعالى : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 62 ] .