الشيخ محمد رشيد رضا
216
الوحي المحمدي
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم : 7 ] وقال اللّه تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأنفال : 53 ] . فالمؤمنون والكافرون يشتركون في أسباب سعة الرزق وكسب المال من زراعة وصناعة وتجارة ؛ لأن هذه الأسباب دنيوية لا تختلف باختلاف الأديان كما قال اللّه تعالى : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [ الإسراء : 20 ] ، أي : ما كان ممنوعا عمن يريد به لذات العاجلة ، ولا عمن يريد به سعادة الآخرة ، وإنما يفضل بعضهم بعضا في استعمال المال ، فاستعماله في الفسق والشر والظلم والسرف والخيلاء كفر للنعمة وسبب لمحقها نفسها أو محق بركتها ، بكثرة الضرر والفساد المترتب عليها ، فمن المشاهد أن أكثر الأغنياء المسرفين الفاسقين يفتقرون أو يصابون بالأدواء أو المصائب المنغصة ، وأما الأمم المترفة المسرفة الظالمة فتضعف وقد تفقد استقلالها ، واستعماله في البر والخير سبب للمزيد فيها . وقد حققنا هذا الموضوع في مواضع أخرى ، ومنه قوله تعالى في الزينة والطيبات من الرزق : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الأعراف : 32 ] ، أي : هي لهم في الدنيا بالاستحقاق ويشاركهم فيها غيرهم بمقتضى الأسباب ، ولكنها تكون في الآخرة خالصة لهم « 1 » ؛ لأنهم يتوسلون بالشكر للّه عليها إلى سعادتها الكاملة الدائمة . ولولا ذلك لجعل زينة الدنيا خاصة بالكافرين كما قال اللّه تعالى : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 33 - 35 ] . أي ولولا كراهة أن يكون الناس كلهم كفارا بجعل نعيم الدنيا وزينتها للكافرين وحدهم لجعلنا لبيوتهم سقفا وأبوابا من فضة وسلالم من فضة يصعدون عليها إلى غرفات قصورهم ، وجعلنا لهم فيها سررا كذلك وزخرفا أي ذهبا ، وما كل ذلك إلا متاع الدنيا وهو قليل زائد . بالنسبة إلى نعيم الآخرة العظيم الدائم . ولكن الإنسان يفتتن بالحاضر المشاهد ، لذلك جعل اللّه سعهء الدنيا وزينتها بالأسباب الكسبية المشتركة ، وجعل المؤمنين أحق بها وأكثر انتفاعا لشكره تعالى عليها بالاعتدال والقصد في أنفسهم ، والتوسعة على غيرهم ، كما قررناه آنفا ، ويؤيده ما في القطب الخامس من إرشاد القرآن إلى حفظ المال والاقتصاد فيه .
--> ( 1 ) راجع تفسيرها في ص 298 ، ج 8 ، تفسير المنار .