الشيخ محمد رشيد رضا

217

الوحي المحمدي

وهذا التشريع والتثقيف والأدب العالي في الحضارة الإسلامية يعلو بها على حضارات جميع الأمم المسرفة الفاسقة ، فهل كان هذا وما قبله وما يذكر بعده مما نبع من نفس محمد الأمى في العقد الخامس من عمره ، خلافا لطبائع البشر ، إذ لم يعهد قط أن يفيض من عقولهم في هذه السن ، ما لم يكونوا فكروا فيه وزاولوه في سن الصبا والشباب ، أم الأقرب إلى عقل المؤمن أن يكون وحيا من اللّه تعالى ؟ كلا الأمرين من الخوارق والعجائب فمن يؤمن باللّه يجب عليه أن يقول إنه وحى منه إذ لا يقدر عليه غيره . ومن لا يؤمن به لا يجد أمامه إلا أن يقول إن محمدا أفضل من جميع البشر بنفسه ، إذ صدر عنه ما لم يصدر مثله عن غيره ، ولا هو من شأن طبيعتهم وغريزتهم في هذه السن . القطب الخامس : ما أوجب اللّه من حفظ المال من الضياع بالإسراف والاقتصاد فيه قال اللّه تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [ النساء : 5 ] قيام الشيء وقوامه - بالكسر والفتح - ما يستقيم به ويحفظ ويثبت ، أي جعلها قوام معايشكم ومصالحكم ، والسفهاء هم المسرفون المبذرون لها ؛ لصغر سنهم دون الرشد أو لفساد أخلاقهم وضعف عقولهم : وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً ( 5 ) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 5 - 6 ] . الابتلاء التجربة والاختبار ، أمر باختبارهم وألا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد ظهور الرشد في أعمالهم ، وهو الصلاح والاستقامة في معاملاتهم ، لئلا يضيعوا الأموال فيما يضر أو فيما لا ينفع . وقال اللّه تعالى في صفات المؤمنين : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) [ الفرقان : 67 ] ، الإسراف : التبذير والإفراط ، والقتر والقتور والإقتار : الإقلال والتضييق في النفقة ، يقال : قتر على عياله ، ومثله قدر له بالدال مكان التاء ومنه : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [ العنكبوت : 62 ] ، وهو مكرر في عدة سور . وقال اللّه تعالى : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [ الطلاق : 7 ] ، وهذا نزل في النفقة على المرأة المطلقة في العدة ، وهو إرشاد عام ، والقاعدة