الشيخ محمد رشيد رضا

212

الوحي المحمدي

القطب الثاني : ذم طغيان المال وغروره وصده عن الحق والخير قال اللّه تعالى في سورة العلق : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 ، 7 ] ، أي حقّا إن الإنسان ليتجاوز حدود الحق والعدل والفضيلة برؤية نفسه غنيا بالمال ، مستغنيا بعينه وكنزه أو قصره على شهواته عما في إنفاقه من نفع الناس ومرضاة اللّه تعالى وثوابه في الآخرة ، وقد نزلت هذه وما بعدها في أبى جهل أشد أعداء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والإسلام من أول ظهوره وهي ما أول ما نزل في ذلك . ومثلها في سورة المسد : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ [ المسد : 1 ، 2 ] إلخ « 1 » . ومثلها في [ سورة الهمزة ، الآيات : 1 - 3 ] وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ( 1 ) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ ( 2 ) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ ، نزلت في الوليد وأمية بن خلف ، وكذا قوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : 11 - 17 ] ، وقد نزلت في الوليد بن المغيرة ، وكذا آيات سورة القلم من قوله : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ إلى قوله : أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ ( 14 ) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ الآيات : 10 - 15 ] ، وكان هؤلاء أغنى زعماء قريش الذين عادوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واستكبروا عن أتباعه بغناهم من أول عهده بتبليغ الدعوة ، ثم قال اللّه تعالى فيهم إذ كان يجمع المال منهم أبو سفيان لقتال يوم بدر : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [ الأنفال : 36 ] وكذلك كان ، وفيهم وفي أمثالهم من مترفى أقوام الأنبياء نزل قوله تعالى : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [ سبأ : 35 ] .

--> ( 1 ) تَبَّ : خبر أو دعاء بالتباب وهو خسران يفضى إلى الهلاك ، ومعنى تبت يداه : خسر ما جمعه بهما من المال ، ومعنى وَتَبَّ وخسر نفسه بعد أن خسر ماله . ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ أي : ما منع التبات عنه ماله . وَما كَسَبَ من النتائج والأرباح والجاه والولد الذي ظن أنه ينفقه وكان أمر ابنه بفراق بنت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد النبوة عداوة له . وما كان أسوأ ما أصابه من التبات : افترس ابنه عتبة أسد في طريق الشام وقد أحدقت به العير تحمل التجارة . ومات هو بعده بالعدسة بعد غزوة بدر التي ساعد فيها المشركين عليها بماله ، وترك ميتا حتى أنتن ، ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه . أ . ه . ملخصا من البيضاوي . وقال : هو إخبار عن الغيب طابق وقوعه .