الشيخ محمد رشيد رضا

213

الوحي المحمدي

ومن الآيات العامة في غريزة البشر قوله تعالى : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [ النساء : 128 ] ، وقوله من سورة المعارج : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [ المعارج : 19 - 21 ] ، الخير المال الكثير ، وأكثر الأغنياء منّاعون للمال إلا من استثنى اللّه بعد هذه الآيات بقوله : إِلَّا الْمُصَلِّينَ [ المعارج : 22 ] إلخ . بمثل هذه الآيات ينفر الوعاظ النّاس ويزهّدونهم في المال والدنيا فيبالغون ، وإنما المذموم الغرور والطغيان والبطر والاستكبار عن الحق افتتانا بالمال ، ولذلك قرنه في بعض الآيات بالأولاد ، وكذا البخل به والشح ، وأكل أموال الناس بالباطل كالربا والرشوة والسحت ، وشواهده في آيات القطب الثالث وهي : القطب الثالث : ذم البخل بالمال والكبرياء به والرياء في إنفاقه قال اللّه تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 180 ] ، وقال في سياق الترغيب في الإنفاق في سبيل اللّه من طيبات الكسب والإخلاص والنهى عن الرياء والمن والأذى فيه : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [ البقرة : 268 ] . فسروا الفحشاء بالبخل ، أي الشيطان يصدكم عن الإنفاق في سبيل اللّه بتخويفكم من الفقر ويأمركم بالبخل الذي فحش شره وضرره ، وقال اللّه تعالى بعد الأمر بالإحسان بالوالدين وبذى القربى واليتامى والمساكين والجيران : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً ( 36 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [ النساء : 36 ، 37 ] ، وقال اللّه تعالى فيمن عاهد اللّه لئن آتاه من فضله مالا وخيرا ليصدقن منه : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ التوبة : 76 ، 77 ] وقال اللّه تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [ محمد : 38 ] أي : وإن تتولوا عن الإنفاق في سبيل اللّه يهلككم بزوال دولتكم ويستبدل بكم قوما آخرين ينفقون أموالهم في المصلحة العامة من الدفاع عن الملة ، وإقامة الحق والعدل في الأمة . وقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً