الشيخ محمد رشيد رضا
204
الوحي المحمدي
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [ النساء : 58 ] ، وقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا « 1 » وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [ النساء : 135 ] . أمر اللّه تعالى المؤمنين بالمبالغة في القيام بالقسط وهو العدل فإن القوام ( بتشديد الواو ) صيغة مبالغة للفاعل بالقيام بالأمر وعدم التهاون والتقصير فيه ، وبأن تكون شهادتهم في المحاكمات وغيرها للّه عزّ وجلّ لا لهوى ولا مصلحة أحد ، ولو كانت على أنفسهم أو والديهم والأقربين منهم ، وأن لا يحابوا فيها غنيا لغناه تقربا إليه أو تكريما له ، ولا فقيرا لفقره رحمة به وشفقة عليه ، ونهاهم عن اتباع الهوى في الحكم أو الشهادة لأجل كراهة العدل فيهما لمراعاة من ذكر من الناس ، وأنذرهم عقابه إن لووا - أي مالوا عن الحق أو أعرضوا عنه - . وقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [ المائدة : 8 ] ، فهذه الآية متممة لما قبلها ، فهناك يأمر بالمساواة في العدل والشهادة بين النفس وغيرها ، وبين القريب والبعيد ، وبين الغنى والفقير ، وهاهنا يأمر بالمساواة فيهما بين الإنسان وأعدائه مهما يكن سبب عداوتهم ، لا فرق فيها بين ديني ودنيوي ، فالشنآن البغض والعداوة وقيل مع الاحتقار ، فمعنى قوله تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا لا يحملنّكم بغضهم وعداوتهم لكم أو بغضكم وعداوتكم لهم على ترك العدل فيهم ، فالعدل بالمساواة أقرب إلى تقوى الله . وأنذر تارك العدل لأجل الشنآن بمثل ما أنذر به تارة للمحاباة ، أنذر كلا منهما بأن اللّه خبير بما يعمله لا يخفى عليه منه شئ ، فهو يحاسبه على عمله وعلى نيته وقصده منه ، فيثيبه أو يعاقبه على ما يعلم من أمره . فالعدل هو الميزان في قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [ الشورى : 17 ] ، وقوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [ الحديد : 25 ] الآية . فخير الناس
--> ( 1 ) أن تعدلوا بفتح أن لتقدير لام التعليل وهو قياس والتقدير فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا - أو لئلا تعدلوا ، اختلف النحاة في تقدير الإعراب واتفقوا على أن المراد لا يكون الهوى سببا لترك العدل ويؤكده الآية الثانية .