الشيخ محمد رشيد رضا

200

الوحي المحمدي

عصر كانت فيه جميع الأمم مرهقة بحكومات استبدادية استعبدتها في أمور دينها ودنياها ، وكان أول منفذ لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلم يكن يقطع أمرا من أمور السياسة والإدارة العامة للأمة إلا باستشارة أهل الرأي والمكانة في الأمة ، ليكون قدوة لمن بعده . ثم جرى على ذلك الخلفاء الراشدون . فقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه في أول خطبة خطبها على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عقب مبايعته : « أما بعد فقد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإذا استقمت فأعينونى ، وإذا زغت فقوموني » . وقال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : « من رأى منكم فىّ عوجا فليقوّمه » فقال أعرابي : لو رأينا فيك عوجا لقوّمناه بسيوفنا ، فقال : « الحمد للّه الذي جعل في المسلمين من يقوّم عوج عمر بسيفه » ، وكان يجمع أهل العلم والرأي من الصحابة ويستشيرهم في كل مسألة ليس فيها نص من كتاب الله ، ولا سنة أو قضاء من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى اللّه عنه : « أمرى لأمركم تبع » . وكذلك كان عمل الخليفة الرابع على المرتضى رضى اللّه عنه وكرّم وجهه ، ولا أذكر له كلمة مختصرة مثل هذه الكلمات على المنبر . وإذا أوجب اللّه المشاورة على رسوله فغيره أولى ، ولا يصح أن يكون حكم الإسلام أدنى من حكم ملكة سبأ العربية ، فقد كانت مقيّدة بالشورى ، ووجد ذلك في أمم أخرى وامتاز الإسلام بجعله دينا ثابتا بقول اللّه وسنة رسوله العلمية وسيرة الخلفاء الراشدين وإجماع الأمة ، وإن جهل ذلك من جهله من الفقهاء ، فجعلوها فضيلة مندوبة لا واجبة لإرضاء الملوك والأمراء . ذلك بأنّ ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن الصراط المستقيم إلا قليلا منهم ، وشايعهم علماء الرسوم المنافقون ، وخطباء الفتنة الجاهلون ، حتى صار المسلمون يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم ، وكان من حسن حظ الإفرنج في حربهم الصليبية أن كان سلطان المسلمين الذي نصره اللّه عليهم يقتفى في حكمه أثر الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز بقدر علمه - وهو صلاح الدين الأيوبي ( ر . ح ) الذي قال لأحد رجاله المتميزين عنده وقد استجداه على رجل غشّه : « ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين ؟ قاض يحكم بينهم ، والحق الشرعي مبسوط للخاصّة والعامة ، وأوامره ونواهيه ممتثلة ، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته ، فالحق يقضى لك أو عليك » ومعنى عبارة السلطان أنه ليس منفذا لحكم الشرع - كالشحنة وهو صاحب الشرطة - وأنّ القضاة مستقلون بالحكم لأنهم يحكمون بالشرع العادل المساوى