الشيخ محمد رشيد رضا
197
الوحي المحمدي
[ العنكبوت : 43 ] وبيان ذلك أن الفرائض الدينية العامة فيه ، والمحرمات الدينية العامة لا يثبتان إلا بنص قطعي يفهمه كل أحد ، والأول مذهب الحنفية . وأما الثاني وهو التحريم فهو مذهب جمهور السلف أيضا ، وأما الآيات الظنية الدلالة وأحاديث الآحاد الظنية الرواية أو الدلالة ، هي موكولة إلى اجتهاد من ثبت عنده في العبادات والأعمال الشخصية ، وإلى اجتهاد أولي الأمر في الأحكام القضائية والأمور السياسية ، وقد بينّا هذا في مواضع من التفسير والمنار . التاسعة معاملة الناس بظواهرهم ، وجعل البواطن موكولة إلى اللّه تعالى ، فليس لأحد من الحكام ولا الرؤساء الرسميين ولا لخليفة المسلمين أن يعاقب أحدا ، ولا أن يحاسبه على ما يعتقد أو يضمر في قلبه ، وإنما العقوبات على المخالفات العملية للأحكام العامة المتعلقة بحقوق الناس ومصالحهم ، وقد فصلنا هذا في أحكام المنافقين من خلاصة تفسير سورة براءة ( التوبة ) . العاشرة مدار العبادات كلّها على اتباع ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الظاهر ، فليس لأحد فيها رأى شخصي ولا رئاسة ، ومدارها في الباطن على الإخلاص للّه تعالى وصحة النية ، والآيات والأحاديث في الأمرين كثيرة . * * * كل واحدة من هذه العشر : جديرة بأن تجعل مقصدا خاصا من مقاصد الوحي ، ويستدل بها على أنه من عند اللّه عزّ وجلّ : لا من الآراء والإلهامات النفسية لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم الأمى في عهد الكهولة ، وقد جاءت مصلحة لما أفسده رؤساء الأديان كلها من السيطرة على عقائد الناس وأعمالهم ، والتّحكّم في وجدانهم ، وهو لم يكن يعلم من تفصيل هذه المفاسد شيئا ، وإنما غرضنا الاختصار ، لأن أهل هذا العصر مترفون كثيرو الشواغل فيملون التطويل .