الشيخ محمد رشيد رضا

198

الوحي المحمدي

المقصد السادس من مقاصد القرآن بيان حكم الإسلام السياسي الدولى : نوعه ، وأساسه ، وأصوله العامة الإسلام دين هداية وسيادة وسياسة وحكم ، لأنّ ما جاء به من إصلاح البشر في جميع شؤونهم الدينية ، ومصالحهم الاجتماعية والقضائية ، يتوقف على السيادة والقول والحكم بالعدل وإقامة الحق ، والاستعداد لحماية الدين والدولة ، وفيه أصول وقواعد . القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامي الحكم في الإسلام للأمة ، وشكله الشورى ، ورئيسه الإمام أو ( الخليفة ) منفّذ لشرعه ، والأمة هي التي تملك نصبه وعزله ، قال اللّه تعالى في صفات المؤمنين : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [ الشورى : 38 ] ، وقال لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يشاور أصحابه في المصالح العامة من سياسية وحربية ومالية مما لا نص فيه في كتاب اللّه تعالى ، وقد بينت في تفسيرها حكمة ترك الشورى لاجتهاد الأمة لأنها مصلحة تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة ، ولو قيدت بنظام لجعل تعبديا « 1 » . وقال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [ النساء : 59 ] فأولو الأمر أهل الحلّ والعقد والرأي الحصيف في مصالحها الذين تثق بهم الأمة وتتبعهم فيما يقررونه بدليل قوله تعالى بعد تلك الآية من السورة نفسها : وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [ النساء : 83 ] فأولو الأمر الذين كانوا مع الرسول وكان الأمر يرد إليه وإليهم في الشؤون العامة للأمن من الأمن والخوف وغيرهما : هم الذين كان صلّى اللّه عليه وسلّم يستشيرهم في الأمور الدقيقة والسرية المهمة . وكان يستشير جمهور المسلمين فيما لهم به علاقة عامة ويعمل برأي الأكثر وإن خالف رأيه ، كاستشارتهم في غزوة أحد في أحد الأمرين : الحصار في المدينة أو الخروج إلى أحد للقاء المشركين فيه . وكان رأيه ورأى بعض كبار الأمة الأول ، ورأى الجمهور الثاني ، فنفذ رأى الأكثر ، ولكنه استشار في مسألة أسرى بدر خواص أولى

--> ( 1 ) راجع ص 99 ج 4 تفسير المنار .