الشيخ محمد رشيد رضا
185
الوحي المحمدي
على خلاف ما كان عليه أئمة السنة من تحريم اتباع أحد لذاته في الدين بعد محمد المعصوم الذي لا معصوم بعده صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكن المقلّدين لهؤلاء المجرمين للتقليد قد اتبعوا القائلين بعصمة أئمتهم ، حتى ملاحدة الباطنية منهم ، فهم يردون نصوص الكتاب والسنة بأقوال أئمتهم ، بل بأقوال كل من ينتمى إليهم من أدعياء العلم على اعتقادهم وإقرارهم بأنهم غير معصومين . وإنما تروج البدع في سوق التقليد الذي يتبع أهله كل ناعق ، لا في سوق الاستقلال والأخذ بالدلائل ، ومن باب التقليد دخل أكثر الخرافات على المسلمين لانتساب جميع الدجالين من أهل الطرائق وغيرهم إلى أئمة المذاهب المجتهدين ، وهم في دعوى اتباعهم من الكاذبين ، ونحن دعاة العلم الصحيح والاهتداء بالكتاب والسنة أحق منهم باتباع الأئمة ، ولا نعنى بالاهتداء بالكتاب والسّنة أن كل واحد منهم إمام مجتهد مطلق كمالك والشافعي رضى اللّه عنهم فهذه أعلى درجة في العلم ، والعلم درجات كما قال اللّه عزّ وجلّ ، وقد كان يوجد في السلف قبل تدوين المذاهب عوام وخواص كلهم يهتدون بهما . وصاحب المنار قد وقف نفسه على الردّ على جميع الملاحدة والبهائية والقاديانية والقبوريين وسائر مبتدعة عصرنا وهو لم يدع مذهبا له يدعو إليه ، ولم يخالف إجماع الأمة ، ولا فرق عنده بين الأئمة ، وللّه الحمد والمنة . 7 - الحرية الشخصية في الدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورئاسة السيطرة : هذه المزية من مزايا الإسلام ، وهي نتيجة المزايات التي بينّا بها كونه دين الفطرة ، فأما منع الإكراه فيه وعليه فالأصل فيه قوله تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 99 - 101 ] ، علم اللّه تعالى رسوله بهذه الآيات أن من سننه في البشر أن تختلف عقولهم وأفكارهم في فهم الدين وتتفاوت أنظارهم في الآيات الدالة عليه فيؤمن بعض ويكفر بعض ، فما كان يتمناه صلّى اللّه عليه وسلّم من إيمان جميع الناس مخالف لمقتضى مشيئته تعالى في اختلاف استعداد الناس للإيمان ، وهو منوط باستعمال عقولهم وأنظارهم في آيات اللّه في خلقه ، والتمييز بين هداية الدين وضلالة الكفر « 1 » .
--> ( 1 ) راجع تفسير هذه الآيات من آخر سورة يونس في آخر ( ج 11 ) من تفسير المنار .