الشيخ محمد رشيد رضا

135

الوحي المحمدي

سنّة القرآن في تهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال والفرق بينها وبين كتب الفلسفة والآداب القرآن كتاب هداية فعلية ، لا كتاب فنّ وعلم نظري ، فهو يرشد متدبّره والمتفقه فيه إلى داعيتى الحق والخير ، والباطل والشر من نفسه ، وإلى طريق تزكيتها بمحاسبتها على أعمالها ، لتغليب الحق والخير على ضدهما ، وتجد هذا التهذيب والتثقيف فيه يدور على أمرين فطريين لا يتوقف فهمهما على فلسفة أرسطو ولا ابن سينا . وهو مجاهدة النفس بالتخلي عن اتباع الهوى ، والتحلي بفضيلة التقوى ، وقد تكرر فيه ذم اتباع الهوى والنهى عنه ، وتعليله بأنه يصد متبعه عن الحق والعدل في زهاء ثلاثين آية ، وتكرر ذكر التقوى والمتقين في زهاء مائتي آية أو أكثر ، واكتفى هنا بذكر آية واحدة في كل منهما . قال اللّه تعالى في عبادة الهوى بعد أن ذكر لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أتى بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ، وفضّلهم على عالمي زمانهم ، وآتاهم بينات من الأمر - أمر التشريع - فاختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، ثم ذكر له أنه جعله على شريعة من الأمر ، وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون ، وهم المشركون الذين لا شريعة لهم ، وأعلمه أن الظالمين من الذين تفرّقوا بعد العلم فكان ضارا بهم ومن الذين لا يعلمون بعضهم أولياء بعض ، واللّه ولى المتقين دون كل منهم ، وأن هذا القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون ، وأنه تعالى لم يجعل الذين اجترحوا السيئات ، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لا في المحيا ولا في الممات ، وأنه خلق السماوات والأرض بالحقّ ولتجزى كل نفس بما كسبت ، لا كما يزعم المشركون من تركهم سدى ، ولا كما يدّعى أهل الكتاب من كونه تعالى يحابى بعض الشعوب وبعض الناس بأنسابهم ؛ أو لأجل من يفديهم ويشفع لهم . قال اللّه تعالى بعض آيات في هذه المعاني : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ الجاثية : 23 ] ، وفي معناها من سورة الفرقان : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [ الفرقان : 43 ، 44 ] .