الشيخ محمد رشيد رضا

136

الوحي المحمدي

وقال تعالى في ثمرة التقوى للمؤمنين بعد عدة وصايا : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الأنفال : 29 ] ، وقد قلت في تفسير هذه الآية من جزء التفسير التاسع ما مختصره . هذه الآية آخر وصايا المؤمنين في هذا السياق وهي أعمّها ، والأصل الجامع لها ولغيرها وكلمة « الفرقان » فيها كلمة جامعة ككلمة التقوى في مجيئها هنا مطلقة ، فالتقوى هي الشجرة ، والفرقان هو الثمرة ، وهو صيغة مبالغة من مادة الفرق ، ومعناها في أصل اللغة : الفصل بين الشيئين أو الأشياء ، والمراد بالفرقان هنا : العلم الصحيح والحكم الحقّ فيها ، ولذلك فسروه بالنور ، وذلك أن الفصل والتفريق بين الأشياء والأمور في العلم هو الوسيلة للخروج من حيز الإجمال إلى حيز التفصيل ، وإنما العلم الصحيح هو العلم التفصيلي الذي يميز الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص ، وإن شئت قلت بين الكليات والجزئيات ، والبسائط والمركبات ، والنسب بين أجزاء المركبات ، من الحسيات والمعنويات ، ويبين كل شئ من ذلك ، ويعطيه حقه الذي يكون به ممتازا من غيره ، وإيراد الأمثلة على ذلك يطول ( وقد ذكرنا نموذجا منها في التفسير ) . فقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ الأنفال : 29 ] معناه إن تتقوا اللّه في كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه وشرعه ، وبمقتضى سننه في نظام خلقه يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى ملكة من العلم والحكمة تفرّقون بها بين الحق والباطل ، وتفصّلون بين الضار والنافع ، وتميزون بين النور والظلمة ، وتميزون بين الحجة والشبهة . وقد روى عن بعض مفسري السلف تفسير الفرقان هنا بنور البصيرة الذي يفرق بين الحق والباطل وهو عين ما فصّلناه من الفرقان العلمي الحكمي ، وعن بعضهم تفسيره بالبصر يفرق بين المحق والمبطل بما يعز المؤمن ويذل الكافر ، وبالنجاة من الشدائد في الدنيا ومن العذاب في الآخرة ، وهذا من الفرقان العملي الذي هو ثمرة الفرقان العلمي . ذكر كل منهم ما رآه مناسبا لحال وقته أو حال من لقنه ذلك ، ولم يقصد تحليل المدلول اللغوي ، ولا المعنى الكلى الذي هو ثمرة التقوى بأنواعها . وهذا النور في العلم الذي لا يصل إليه إلا بالتقوى هو الحكمة . أمر اللّه تعالى في مواضع كثيرة من كتابه باتقائه ، وباتقاء النار ، وباتقاء الشرك والمعاصي ، وباتقاء الفتن العامة في الدول والأمم ، وتقدم في وصايا هذا السياق . وباتقاء الفشل والخذلان في الحرب ، وباتقاء ظلم النساء ، وبيّن أن العاقبة في إرث الأرض للمتقين