الشيخ محمد رشيد رضا
131
الوحي المحمدي
ويناسب هذا ما جاء في القرآن من نبأ خراب العالم وقيام الساعة التي هي بدء ما يجب الإيمان به من عقيدة البعث والجزاء ، ولم يوجد له أصل عند أهل الكتاب ولا غيرهم ، ولا هو مما يمكن أن يكون قد عرفه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بذكائه ونظرياته العقلية ، وجملته أن قارعة - والظاهر أنها كوكب - تقرع الأرض قرعا ، وتصخّها صخا ، وترجّها رجا ، فتكون هباء منبثا ، أي غبارا دقيقا متفرقا في الفضاء ، وحينئذ يختل ما يسمّى في عرف العلماء بسنة الجاذبية العامة ، فتتناثر الكواكب ثم يدخل العلم في طور جديد هو المراد بالحياة الآخرة « 1 » ، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد من علماء الكون ولا من الدين ، فلا يمكن أن يقال أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم سمعه من أحد في بلده أو في سفره ، ولا يعقل أن يكون قاله برأيه وفكره ، فهو من أنباء القرآن الكثيرة التي تدحض زعم القائلين بالوحي النفسي . وقد صرّح غير واحد من علماء الهيئة الفلكية المعاصرين بأن خراب العالم بهذا السبب هو أقرب النظريات العلمية لخرابه . وسنفصل ذلك بالشواهد على ما جاء في القرآن موافقا لأصول العلم الحديث في ملحقات الكتاب ، من الجزء الثاني له . ولقد كان أعظم آيات الجزاء تأثيرا في أنفس العرب وصف نعيم الجنة وعذاب النار ببلاغته العجيبة في المبالغة التي امتازت بها لغتهم ، وفيها ما يدل على أنها غيبية مخالفة للمعهود في الدنيا كقوله تعالى في صفة النار : الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [ الهمزة : 7 ] ، وفي الجنة : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] ، وقوله بعد ذكر النعيم الحسى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] ، وناهيك بمناجاته تعالى ورؤيته التي أنكرها وتأول نصوصها المعتزلة ومن تبعهم وعدوها من المتشابهات ولا غرو ، فكل أمور الآخرة متشابهات ، قال تعالى في ثمرها : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] ، قال ابن عباس رضى اللّه عنه في تفسيرها : ( لا يشبه شئ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء ) . ( أقول ) : فكيف يشبه خالقها شيئا من خلقه ؟ .
--> ( 1 ) اقرأ سور : الواقعة ، والقارعة ، والتكوير ، والانفطار .