الشيخ محمد رشيد رضا

132

الوحي المحمدي

الركن الثالث للدين : العمل الصالح الركن الثالث من مقاصد بعثة الرسل - وهو العمل الصالح - أثر لازم للإيمان باللّه وبالحساب والجزاء في الآخرة وثمرة له ، وهو يمدّه ويستمدّ منه فكل من الإيمان والعمل يغذّى الآخر ويقويه ، ويتوقف كمال كل منهما على الآخر ؛ فمن فسد إيمانه فسد عمله ، وكان رياء ونفاقا أو تقليدا صوريا . فلا يكون العمل صالحا مصلحا لعامله إلا بجعله على الوجه الذي شرعه اللّه لأجله . وهذا مكرر في القرآن في سور كثيرة لإصلاح ما أفسده البشر فيه يجعله تقليديا غير مزكّ للنفس ولا مصلح لشؤون الاجتماع ، ولكن دون تكرار توحيد اللّه وتقديسه الذي هو الأصل الذي يتبعه غيره ، على أنه يقرنه به . ولولا الحاجة إلى هذا التكرار في التذكير والتأثير لكانت سورة العصر وحدها كافية في الإصلاح العلمي العملي على قصرها ، كسورة الإخلاص في الركن الأول الاعتقادي ، وكل منهما تكتب في سطر واحد ، فهما من معجزات إيجاز القرآن وهدايته ، وكسورة الزلزلة في الركن الثاني وهي تكتب في ثلاثة أسطر ؛ وقد روى الإمام أحمد ، والطبراني في الكبير أن صعصعة بن معاوية أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأ عليه : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، فقال حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها . وروى أنّ بعض الأعراب سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها فقال : يا رسول اللّه : أمثقال ذرة ؟ قال : « نعم » . فقال الأعرابي : وا سوأتاه ثم قام وهو يقولها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان » . وروى عن زيد بن أسلم رضى اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دفع رجلا إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ هذه الآية فقال : حسبي - فذكر الرجل المعلم ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له : « دعه فقد فقه » . نقل هذه الروايات وغيرها السيوطي في الدر المنثور عن مخرجيها ، ومنها أن بعض كبار الصحابة كان ربما يعطى المسكين حبة عنب ويقول إن فيها ذات كثيرة ، اهتداء بهذه الآية ، وبقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث مسلم : « لا تحقرنّ من المعروف شيئا » . فتدبر هذا تعلم منه قدر استعداد عقول العرب لهداية القرآن ، وكيف صلحت به أنفسهم ، وصاروا أئمة الناس في الإصلاح ، آمن بعضهم بأنه يرى في الآخرة جزاء عمله خيره وشره وإن قلّ فكان كالذرة ، فوطّن نفسه على عمل كل ما استطاع من الخير ، وترك كل عمل من الشر ، وهذا فقه الدين كله كما شهد له مبلغ الدين صلّى اللّه عليه وسلّم .