الشيخ محمد رشيد رضا
125
الوحي المحمدي
على أن بعض المتكلمين قد تأوّلوا صفات اللّه تعالى بنظرياتهم الجدلية ، وبعض الصوفية قد بالغوا في التوحيد وفهم الصفات أو حملها على الأذواق والوجدانات الروحية ، حتى أنكر بعضهم تأثير الأسباب في مسبباتها ، وانتهى بهم ذلك إلى بدعة الجبر التي أفسدت على أهلها كل شئ ، وقال بعضهم بوحدة الوجود ، بيد أن الأولين منهم كانوا يقولون بما يهديهم إليه النظر العقلي أو رياضة النفس وما تثمره من الشعور الوجداني مع الاعتماد في فهم النصوص على صميم اللغة والمأثور عن السلف ثم خلف من بعدهم خلف من المقلدين لاحظ لهم من القرآن ولا من البرهان ولا من الوجدان ، وإنما يتبعون أهواء العوام ويتأوّلون لهم بكلام أمثالهم من المصنفين الجاهلين ، ولو فقهوا أقصر سورة في التوحيد والتنزيه كما يجب - وهي سورة الإخلاص - لما وجد الشرك إلى أنفسهم سبيلا . إن عقيدة التوحيد القرآني هي أعلى المعارف التي ترقى الإنسان إلى أعلى ما خلق مستعدا له من الكمال الروحي والعقلي والمدني . وقد صرح كثير من علماء الإفرنج بأن سهولة فهم هذه العقيدة وموافقتها للعقل والفطرة هما السبب الأكبر لقبول الأمم له وانهزام النصرانية من أمامه . قد كان توحيد المسلمين الأولين للّه ومعرفتهم به وحبهم له وتوكلهم عليه هو الذي زكى أنفسهم ، وأعلى هممهم ، وكملهم بعزة النفس ، وشدة البأس ، وإقامة الحق والعدل ، ومكنهم من فتح البلاد وسياسة الأمم ، وإعتاقها من رق الكهنة والأحبار والرهبان والبوذات والموبذانات الروحي والعقلي ، وتحريرهم من ظلم الملوك واستبدادهم وإقامة وإحياء العلوم والفنون الميتة وترقيتها فيهم ، وقد تم لهم من كل ذلك ما لم يقع مثله ولا ما يقاربه لأمة من أمم الأرض . حتى قال الدكتور « غوستاف لوبون » المؤرخ الاجتماعي الشهير في كتابه ( تطور الأمم ) إن ملكة الفنون لا يتم تكوينها لأمة من الأمم الناهضة إلا في ثلاثة أجيال : أوّلها جيل التقليد ، وثانيها جيل الخضرمة ، وثالثها جيل الاستقلال والاختصاص ، قال : إلا العرب وحدهم فقد استحكمت لهم ملكة الفنون في الجيل الأول الذي بدءوا فيه بمزاولتها . وأقول : إنّ سبب ذلك تربية القرآن لهم على استقلال العقل والفكر واحتقار التقليد الأصم الأعمى ، وتوطيد أنفسهم على إمامة البشر وقيادتها في أمور الدين والدنيا معا ، وقد خفى كل هذا على أسلافهم بعد ذهاب الخلافة الإسلامية ، وزوال النهضة العربية وتحول السلطان إلى الأعاجم الذين لم يكن لهم من الإسلام إلا الظواهر التقليدية المنفصلة عن هداية القرآن .