الشيخ محمد رشيد رضا

126

الوحي المحمدي

الركن الثاني للدين : عقيدة البعث والجزاء الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث والحساب والجزاء على الأعمال ، هو الركن الثاني للدين الذي بعث اللّه به الرسل عليهم السلام ، وبه يكمل الإيمان باللّه تعالى ، ويكون باعثنا على العمل الصالح وترك الفواحش والمنكرات والبغى والعدوان ، وكان جل مشركي العرب ينكرونه أشدّ الإنكار ، وأما أهل الكتاب وغيرهم من الملل - التي كان لها كتب وتشريع ديني ومدنى ، ثم فقدت كتبهم أو حرّفت واستحوذت عليهم الوثنية - فكلهم يؤمنون بحياة بعد الموت وجزاء يختلفون في صفتهما لا في أصلهما ولكن إن إيمانهم هذا قد شابه الفساد ببنائه على بدع ذهبت بجل فائدته في إصلاح الناس ، وأساسها عند الهنود وغيرهم من قدماء الوثنيين ، وخلائف النصارى المتبعين لدين القيصر قسطنطين ، هو وجود المخلص الفادي الذي يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه ، وهو الأقنوم الثاني من الثالوث الإلهى الذي هو عين الأول والثالث وكل واحد منهما عين الآخر ، وكل ما تقوله النصارى في فداء المسيح للبشر وغير ذلك من ولادته إلى رفعه فهو نسخة مطابقة لما يقوله الهنود في كرشنة وبوذا في اللفظ والفحوى كما ، قلما يختلفان إلا في الاسمين . كرشنة ويسوع « 1 » . وأما اليهود فكلّ ديانتهم خاصة بشعب إسرائيل ، وادعاء محاباة اللّه تعالى له على سائر الشعوب في الدنيا والآخرة ، ويسمونه إله إسرائيل ، كأنّه ربهم وحدهم لا رب العالمين ، وديانتهم أقرب إلى المادية منها إلى الروحية ، فكان فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابعا لفساد الركن الأول وهو الإيمان باللّه تعالى ومعرفته ، ومحتاجا إلى الإصلاح مثله . جاء القرآن للبشر بهذا الإصلاح ، فقد أعاد دين النبيين في الجزاء إلى أصله المعقول وهو ما كرّم اللّه تعالى به الإنسان ، من جعل سعادته وشقائه منوطين بإيمانه وعمله ، اللذين هما في كسبه وسعيه ، لا من إيمان غيره وعمله ، وأنّ الجزاء على الكفر والظلم والفساد في الأرض ، يكون بعدل اللّه تعالى بين جميع خلقه بدون محاباة شعب على شعب والجزاء على الإيمان والأعمال الصالحة يكون بمقتضى الفضل ، فالحسنة بعشرة أمثالها وقد يضاعفها اللّه تعالى أضعافا كثيرة .

--> ( 1 ) عقيدة التثليث والفداء معروفة في وثنية قدماء المصريين والبابليين والأوروبيين أيضا ، وقد فصل ذلك في كتاب خاص بالشواهد التاريخية اسمه : ( العقائد الوثنية ، في الديانة النصرانية ) ، تأليف الأستاذ محمد طاهر التنير البيروتي ، وطبع سنة 1330 .