الشيخ محمد رشيد رضا
111
الوحي المحمدي
فعل القرآن في أنفس مشركي العرب قلنا : إن فعل القرآن في أنفس العرب كان على نوعين : فعله في المشركين ، وفعله في المؤمنين ، فالأول تأثير روعة بلاغته ، ودهشة نظمه وأسلوبه ، الجاذب لفهم دعوته والإيمان به إذ لا يخفى حسنها على أحد فهمهما ، وكانوا يتفاوتون في هذا النوع تفاوتا كبيرا لاختلاف درجاتهم في بلاغة اللغة وفهم المعاني العالية . فهذا التأثير هو الذي أنطق الوليد به المغيرة المخرومى بكلمته العالية فيه لأبى جهل التي اعترف فيها بأنه الحق الذي يعلو ولا يعلى ، والذي يحكم ما تحته ، وكانت كلمة فائضة من نور عقله وصميم وجدانه ، وما استطاع أن يقول كلمة أخرى في الصد عنه بعد إلحاح أبى جهل عليه باقتراحها إلا بتكليف لمكابرة عقله ووجدانه ، وبعد أن فكر وقدر ، ونظر وعبس وبسر ، وأدبر واستكبر ، كما تقدم . وهذا التأثير هو الذي كان يجذب رؤوس أولئك الجاحدين المعاندين ليلا لاستماع تلاوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بيته ، على ما كان من نهيهم عنه ونأيهم عنه ، وتواصيهم وتقاسمهم لا يسمعن له ، ثم كانوا يتسللون فرادى مستخفين ، ويتلاقون في الطريق متلاومين « 1 » . وهذا التأثير للقرآن هو الذي حملهم على منع أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه من الصلاة والتلاوة في المسجد الحرام ، لما كان لتلاوته وبكائه في الصلاة من التأثير الجاذب إلى الإسلام ، وعللوا ذلك بأنه يفتن عليهم نساءهم وأولادهم ، فاتخذ مسجدا له بفناء داره فطفق النساء والأولاد الناشئون ينسلون من كل حدب إلى بيته ليلا لاستماع القرآن .
--> ( 1 ) همّ أبو جهل وأبو سفيان والأخنس بن شريق ، كان كل واحد يأتي من ناحية فيستمع إلى قراءته صلّى اللّه عليه وسلم من حيث لا يراه الآخران ؛ فإذا تلاقوا بعد الانصراف تلاوموا وتواعدوا ألا يعودوا لئلا يعلم بهم غيرهم فيقتدوا بهم . وفي الثالثة تعاهدوا ألا يعودوا ، فلما أصبحوا ذهب الأخنس فأتى أبا سفيان في بيته فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : يا أبا ثعلبة ؛ واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ( يعنى أنه لا ينكرها ) فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به ، ثم ذهب الأخنس إلى أبى جهل في بيته فسأله عما سأل عنه أبا سفيان فقال أبو جهل : ما ذا سمعت ؟ تنازعنا وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ( يعنى الحمل على الإبل والدواب ) وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسى رهان ، قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه ؟ والله لا نسمع له ولا نصدقه . . رواه البيهقي في دلائل النبوة . وهذا إقرار من أبى جهل بأن الوحي غاية لا يمكن إدراكها لأنه معجز للبشر .