الشيخ محمد رشيد رضا

112

الوحي المحمدي

فنهاه أشراف المشركين بأن العلة لا تزال ، وأنهم يخشون أن يغلبهم نساؤهم وأولادهم على الإسلام ، حتى ألجئوه إلى الهجرة فهاجر فلقى في طريقه ابن الدغنة « 1 » سيد قومه فسأله عن سبب هجرته فأخبره الخبر ، وهو يعرف فضائل أبى بكر من قبل الإسلام فأجاره وأعاده إلى مكة بجواره أي حمايته ، ومنعه منهم . وخبره هذا رواه البخاري في باب الهجرة من صحيحه وفيه ما نصه : « فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة ( أي أجازته ) وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، فليصل فيها وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به ، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا « 2 » ، فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر ، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ، ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه « 3 » نساء المشركين وأبناؤهم ، وهم يعجبون عنه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن . وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم ، فقالوا : إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك ، على أن يعبد ربه في داره ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن الصلاة والقراءة فيه ، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه ، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك ، فإنا قد كرهنا أن نخفرك « 4 » ، ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان ، قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال : قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي ، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت في رجل عقدت له ، فقال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك ، وأرضى بجوار اللّه عزّ وجلّ » أ . ه . قلنا : إن هذا التأثير هو الذي حملهم على صد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالقوة عن تلاوة القرآن في البيت الحرام وفي أسواق الموسم ومجامعه ، حتى إنهم كانوا يقذفونه بالحجارة ، وهو سبب

--> ( 1 ) هو بضم الدال المهملة المشددة عند أهل اللغة ، وبكسرها عند رواة الحديث وكسر الغين المعجمة ، وفي تخفيف النون وتشديدها روايتان . ( 2 ) أي يحولهم عن دينهم إلى دينه بتأثير قراءته وخشوعه وبكائه فيها . ( 3 ) من التقذف ، أي يتدافعون ويزدحمون فيقذف بعضهم عليه ، وفي رواية فينقذف بالنون ويروى يتقصف وينقصف عليه . ( 4 ) أخفره ونقض عهده وأبطله .