الشيخ محمد رشيد رضا

110

الوحي المحمدي

فرأوا أن هذا الدين الحر يوشك أن يسلبهم الانفراد بهذه العظمة الموروثة ، وقد يفضل عليهم بعض الفقراء والموالى ، وأنه يحكم عليهم وعلى من يفاخرون بهم من آبائهم بالكفر والجهل والظلم والفسوق ، ويشبههم بسائمة الأنعام ، فوجهوا كل قواهم ونفوذهم إلى صد محمد عن دعوته ولو بتمليكه عليهم وجعله أغنى رجل فيهم ، ولكن تعذر إقناعه بالرجوع عنها بالترغيب ، حتى التمويل والتمليك . فقد أجاب عمه أبا طالب لمّا عرض عليه ما أرادوه من ذلك بتلك الكلمة العليا : « يا عم واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته » . حينئذ أجمعوا أمرهم على صده عن تبليغها بالقوة والحيلولة بينه وبين جماهير الناس في الأسواق والمجامع والبيت الحرام ، وبصد الناس عنه أن يأتوه ويستمعوا له ، وباضطهاد من اتبعه بالدعوة الفردية إلا أن يكون له من يحميه منهم لقرابة أو جوار أو ذمة ، فهؤلاء الرؤساء المترفون والمسرفون المتكبرون ، كانوا أعلم الناس بصدق محمد وفيهم نزل قوله تعالى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] ، فقد كابروا الحق بغيا واستكبارا للحرص على رياستهم وشهواتهم ، وكانوا أجدر العرب بقبول دعوة القرآن لأنهم أدق الناس لها فهما ، وأوسعهم بإعجازها علما ، ولكنهم عتوا عنها عتوا : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا [ النمل : 14 ] كفرعون وقارون وهامان في آيات موسى .