الشيخ محمد رشيد رضا
104
الوحي المحمدي
اعتبار الموازنة بين تأثير القرآن في العرب والتوراة في بني إسرائيل واعتبر هذا ببنى إسرائيل سلالة النبيين ؛ فإن كان ما رأوه بمصر من آيات موسى عليه السلام ، ثم ما رأوه في برية سيناء ومدة التيه فيها ، ومن عناية اللّه تعالى بهم ، ومن سماعهم كلام اللّه تعالى بآذانهم في لهيب النار المشتعلة على ما ترويه توراتهم - ولم يثبت عندنا التكليم إلا لنبيّهم - لم يتغير بذلك كله ما كان بأنفسهم من تأثير الوثنية المصرية وخرافاتها الراسخة في قلوبهم ، ولا من تأثير السياسة الفرعونية المستبدة في أخلاقهم ، فقد عذّبوا موسى عذابا نكرا ، وعاندوه في كل ما كان يأمرهم به ، وعبدوا صنم العجل الذهبي في أثناء مناجاته لربه . حنينا إلى ما كان من عبادة مستعبديهم الفرعونيين للعجل ( أبيس ) حتى وصفهم اللّه في التوراة بالشعب الصلب الرقبة ، وهو كناية عن البلادة والعناد ، وعصل الطباع « 1 » المانع من الانقياد ، وظل ذلك كذلك إلى أن باد ذلك الجيل الفاسد بعد أربعين سنة ، ونشأ فيهم جيل جديد ممن كانوا أطفالا عند الخروج من مصر وممن ولد في التيه ، أمكن أن يعقلوا التوحيد والشريعة ، وأن يعملوا بها ويجاهدوا في سبيلها ، وإنما كان ذلك بعد موت موسى عليه السلام . فأين بنو إسرائيل من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم الذين تربّوا بسماع القرآن وترتيله وتدبره ، في رسوخهم في الإيمان وصبرهم على أذى المشركين واضطهادهم إياها ليفتنوهم عن دينهم ، ثم مجاهدتهم لهم عند الإمكان بعد الهجرة ، ومجاهدة أعوانهم من أهل الكتاب ( اليهود ) وتطهيرهم الحجاز وسائر جزيرة العرب من كفر الفريقين في عهده صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد كانت مدّة البعثة المحمدية كلّها عشرين سنة أي نصف مدة التيه ، وكان ذهب نصفها في الدعوة وتبليغ الدين للأفراد بمكة والنصف الآخر هو الذي تم فيه الانقلاب العربي من تشريع وتنفيذ وجهاد وفتح وتأسيس . ثم تأمل ما كان من تدفقهم أنفسهم كالسيل الآتي « 2 » على الأقطار من نواحي الجزيرة كلّها ، والظهور على ملكي قيصر وكسرى أعظم ملوك الأرض ، وإزالة الشرك والظلم
--> ( 1 ) أي اعوجاجها مع صلابتها ، من عصل الشيء « من باب فرح » إعوج في صلابة فهو عصل « ككتف » وأعصل والجمع عصال كسهام . ( 2 ) الآتي بالتشديد كقوى والأتاوى : الغريب الذي يأتي من حيث لا يعلم .