الشيخ محمد رشيد رضا

105

الوحي المحمدي

منهما ، ونشر التوحيد والحق والعدل فيهما ، ودخول الأمم في دين اللّه أفواجا مختارين اهتداء بهم ، وعنايتهم بتعلم العربية بالتبع لعنايتهم بالدين ، حتى فتحوا - هم وتلاميذهم - نصف كرة الأرض في زهاء نصف قرن ، وكانوا مضرب المثل في الرحمة والعدل « 1 » ، وموضع الحيرة لعلماء الاجتماع وقواد الحرب « 2 » . وأنى يبلغ الشعب الذي وصف ربه في كتابه بالشعب المتمرد الصلب الرقبة « 3 » درجة الذين وصفهم رب العالمين بقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً [ الفتح : 29 ] . فهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين الذي نشأ وشبّ على الشدة والقسوة في الجاهلية حتى قيل : إنه وأد بنتا له ، صار بالإسلام من أرحم الرحماء بالناس ، حتى أنه يطبخ الطعام هو وزوجته ليلا لامرأة فقيرة في المخاض وبعلها حاضر لا يساعدهما ، ولم يكن يعلم أنه أمير المؤمنين . لا جرم أن سبب هذا كلّه تأثير القرآن بهذا الأسلوب الذي نراه في المصحف ، فقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يجاهد به الكافرين كما أمره اللّه بقوله تعالى : فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً [ الفرقان : 52 ] ، ثم كان به يربى المؤمنين ويزكيهم . كما قال اللّه تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] ، وبهدايته والتأسي بمبلغه صلّى اللّه عليه وسلم ربوا الأمم وهذّبوها ، وقلّما يقرأه أحد كما كانوا يقرءون ، إلا ويهتدى به كما كانوا يهتدون على تفاوت في الاستعداد النفسي واللغوي واختلاف الزمان لا يخفى . المسلمون أرحم البشر بهداية القرآن : وكيف لا يكون المؤمنون بالقرآن ارحم النّاس وقد امتن اللّه عليهم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ يونس : 57 ] ؟ ، وقد قلنا في الكلام على الرحمة من هذه المزايا الأربع للقرآن من تفسير المنار ( جز 11 ) ما نصه :

--> ( 1 ) قال الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه « حضارة العرب والإسلام » : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب . ( 2 ) في مقدمتهم نابليون بونابرت أشهر قواد الحرب في العالم وهو الذي قال : « إن العرب فتحوا نصف العالم في نصف قرن ، وصرح بأنه يدين بالإسلام كما تراه في علاوات كتاب « حاضر العالم الإسلامي » للأمير شكيب ( ص 24 جزء أول طبعة ثانية ) . ( 3 ) راجع آخر الفصل 31 من سفر التثنية وغيره .