عمران سميح نزال
90
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
وهذا الكم من التفاسير الكثيرة يبين تفاعل المفسّرين مع ثقافات عصورهم ، وحاجة كل عصر لنوع من التفسير أو التفاسير التي تميّزه عن ثقافات عصر آخر ، وهو تفاعل محمود مع معارف العصر وثقافته ، ومع حاجة الناس والمسلمين إلى معالجة قضاياهم ، باجتهاد منهجيّ وتفسير بياني في فهم القرآن وتدبّر آياته ، وما توقّف ذلك إلا في فترات الضعف السياسي والعلمي في تاريخ المسلمين ، وبسبب ضعف حركة الاجتهاد في الأمة الإسلامية ، ولكن وإثر الهزائم الكبيرة التي لحقت بالمسلمين منذ الحرب العالمية الأولى ، توجّهت همة الحركة العلمية بكل اتجاهاتها العلمية واللغوية والدينية نحو الأبحاث الجديدة واكتشاف المناهج التي تساعد المسلمين على فهم القرآن الكريم ، كتاب هداية ورشاد وخلاص . لقد كان من أبرز اتجاهات حركة الاجتهاد الإسلامي الحديث حركة التفسير وحركة المناهج العلمية التفسيرية الجديدة « 1 » ، وكان الاهتمام يزداد بالتركيز على أنواع معينة من التفسير ، ومنها التفسير العلمي والتفسير التاريخي والتفسير الموضوعي ، أو تفاسير الوحدة الموضوعية لإحدى سور القرآن الكريم ، وقد احتاجت هذه التفاسير الجديدة إلى التفكير بالآليات الجديدة التي يتّبعها المفسر حتى يخرج بتفسير علمي يناسب عصره ، أي أن الدواعي توجّهت نحو التفكير المنهجي في البحث ، وبداية نقول إنه لا يمكن الفصل بين أنواع التفسير ومناهجها فصلا تاما ، بل يفضّل ألّا يكون ذلك مطلبا علميا ، لأن كل نوع منها له فوائده وإيجابياته التي لا بد أن يستفاد منها ، وينظر إليها للمشاركة في الوصول إلى التفسير الأفضل للقرآن الكريم ، ونحاول في هذا الفصل بيان الصلة التكاملية بين التفسير الموضوعي والتفسير التاريخي ، وبين الوحدة الموضوعية والوحدة التاريخية في تفسير سور القرآن الكريم . تعددت الآراء في تعريف التفسير الموضوعي وبيان أهميته ، وقد كان من أوائل هذه الجهود التي بيّنت أهمية التفسير الموضوعي دراسة قدّمها المفكر محمد باقر الصدر في « التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي في القرآن الكريم » ، فقد دعا الصدر في هذه
--> ( 1 ) انظر : الإنسان والقرآن وجها لوجه ، ( التفاسير القرآنية المعاصرة ) ، قراءة في المنهج ، احميدة النيفر .