عمران سميح نزال

76

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

لنزول القرآن الكريم ، ولذا اعتبرنا علم تاريخ النزول من العلوم المنهجية ، والعلوم المنهجية هي علوم اجتهادية ، و « علم التفسير في معظمه قائم على الاجتهاد ، سواء في ذلك التفسير التحليلي أو الإجمالي أو الفقهي أو العلمي أو الصّوفي أو حتى الأثري » « 1 » ، قد يصيب فيها المجتهد وقد يخطئ ، وقد يصيب أحد المجتهدين في معرفة تاريخ معيّن ولا يصيب في آخر ، ونبيّن هذه القواعد هنا زيادة على ما بيناه من قبل على النحو التالي : القاعدة الأولى : أن تأتي الإشارة إلى المعرفة التاريخية من الآية القرآنية نفسها ، مثل ذكر كلمات المكان أو الزمان ، ومثاله قوله تعالى في سورة المائدة : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ( 3 ) ، فالنصّ في الآية على اليوم وهو من الظروف الزمانية والمحددات التاريخية ، وفي رواية عن عمر بن الخطاب : ( إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين رسول اللّه حين أنزلت : يوم عرفة ، وإنّا واللّه بعرفة ) « 2 » ، فقد حدّدت الرواية أنه يوم الجمعة التاسع من شهر ذي الحجة ، وقد شرح ابن حجر « حيث أنزلت وأين أنزلت » ، أن إحداهما للمكان والأخرى للزمان ، وضعّف من قال بغير يوم الجمعة وغير هذا التاريخ أيضا « 3 » . القاعدة الثانية : الحكم بسبب ورود كلمات ظرفية زمانية أو مكانية في الآية ، مثل : الآن ، ومن قبل ، ومن بعد ، وكنتم ، وهنالك ، أو بسبب أفعال الماضي والحاضر والمستقبل وغيرها . ومثاله قوله تعالى في سورة النحل : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ، وهذا إخبار عن إنزال سابق وسورة النحل مكية فلا بد أن الإنزال السابق مكي أيضا ، وهو قوله تعالى

--> ( 1 ) منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ، الدكتور زياد الدغامين ، ص 114 . ( 2 ) انظر : صحيح البخاري ، محمد بن إسماعيل البخاري ، كتاب تفسير القرآن ، دار الفكر ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1411 ه - 1991 م ، م 3 ، ج 5 ، ص 220 . ( 3 ) انظر : فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني ، المكتبة السلفية ، 8 / 270 .