عمران سميح نزال
33
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
والجمع الثاني كان جمعا للقرآن مكتوبا على الأشياء من عسب ونخيل وحجارة وغيرها ، وكلاهما محفوظ من اللّه تعالى . فلما كانت خلافة المؤمنين للعهد النبوي بقيادة أمة من المؤمنين تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وفي مقدمتها الصديق أبو بكر رضي اللّه عنهم ، اتفقت مجالس شوراهم على جمع مدوّنات القرآن الكريم في مصحف واحد ، أي في كتاب واحد بين دفتين ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك لتواصل نزول القرآن عليه حتى عامه الأخير ، وكل ما تساءل عنه المؤمنون حول هذا الجمع للرّقاع والصّحف في مجلد واحد ، عند قولهم : كيف نفعل أمرا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ، فمعناه : هل يجوز لنا أن نفعل أمرا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام بخصوص القرآن الكريم ؟ أي هل يجب علينا أو يجوز لنا أن نجمع صحف القرآن ونجلدها في كتاب واحد أم لا ؟ وهذا تساؤل ورد عن أبي بكر وزيد بن ثابت أول مرة « 1 » . فكان الجواب أن هذا العمل فيه الخير للمسلمين والمؤمنين ، وعدم قيام النبي عليه الصلاة والسلام بجمع صحف القرآن في مجلد واحد لا يمنع من قيام المؤمنين بذلك ، وبالأخص بعد أن تأكّد للصحابة اكتمال نزول القرآن الكريم كاملا بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، فشكّلت الأمة الحاكمة اللجان المختصّة ونودي على المنابر أن الدولة الإسلامية قد شرعت في جمع صحف القرآن في مجلد واحد ، فمن كان عنده شيء من القرآن محفوظا ومكتوبا ومعه شاهدان فليأت به « 2 » ، والغاية من ذلك : أولا : الإعلان عن بدء عملية الجمع للقرآن في مصحف واحد . ثانيا : أن يشهد المسلمون والمؤمنون كافة في ذلك الوقت على عملية جمع القرآن الكريم في مجلد واحد .
--> ( 1 ) انظر : الجامع الصحيح ، محمد بن إسماعيل البخاري ، 6 / 119 . ( 2 ) انظر : تاريخ توثيق نص القرآن الكريم ، خالد عبد الرحمن العك ، دار الفكر ، دمشق ، الطبعة الثانية ، 1406 ه - 1986 م ، ص 43 .