عمران سميح نزال
252
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
والمجتمع المدني الطاهر ، أن لا يترك فيه منفذ للفساد ، وإلا كان بناؤه عرضة للزوال ، وأهل الفساد في مجتمع المؤمنين المدني ليس الكفار لأنهم معروفون بكفرهم وهم مكشوفون للمؤمنين بكفرهم ، وإنما الخوف والحذر من المنافقين والذين في قلوبهم مرض وأهل الكذب ، يتقلّبون من الإيمان إلى الكفر ، ومن اليقين إلى الشك ، ومن الطاعة إلى المعصية من غير توبة أو ندم أو استغفار . قال الطبري : ( وقوله : وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يقول : وأهل الإرجاف في المدينة بالكذب والباطل . وكان إرجافهم فيما ذكر كالذي : 21872 - حدثني بشر ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ . . . . الآية ، الإرجاف : الكذب الذي كان نافقه أهل النفاق ، وكانوا يقولون : أتاكم عدد وعدّة . وذكر لنا أن المنافقين أرادوا أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق ، فأوعدهم اللّه بهذه الآية ) « 1 » . قال القرطبي : ( قيل : كان منهم قوم يرجفون ، وقوم يتبعون النساء للريبة ، وقوم يشككون المسلمين . قال عكرمة وشهر بن حوشب : « الذين في قلوبهم مرض » يعني الذين في قلوبهم الزنى . وقال طاوس : نزلت هذه الآية في أمر النساء . وقال سلمة بن كهيل : نزلت في أصحاب الفواحش ، والمعنى متقارب . . ) « 2 » . قلت : للآيات الثلاث السابقة مناسبة نزول واحدة ، وهي في حق تنظيم العلاقة مع المنافقين ومن في مثل حالهم وهم الذين في قلوبهم مرض والمرجفون ، أي كل من لهم مواقف سلبيّة تجاه مجتمع المدينة الفتيّ ، فمن الجائز أن الذين في قلوبهم مرض هم الذين تضايقوا من نزول أحكام شرعية جديدة تنظّم الحياة الاجتماعية في المدينة ، عندما فرض على النساء أن يدنين جلابيبهن وأمروا بسلوك خاصّ ، فأمثال أولئك يمتعضون - في كل زمان - من هذه الأحكام التي تغلق عليهم أبواب الفساد والرذيلة .
--> ( 1 ) الطبري : جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( 2 ) القرطبي : الجامع لأحكام القرآن