عمران سميح نزال

253

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

ولكن الأمر لا يخصّهم وحدهم فهناك المرجفون الذين لا يتمنون الاستقرار ولا الأمان للمجتمع المدني ، ويشيعون الأخبار الكاذبة بقصد الفتنة وإضعاف المدينة أمنيا وسياسيا ، فأولئك ملعونون أينما ثقفوا ، وهذا إذن من اللّه تبارك وتعالى بطردهم من رحمته أولا ، والإذن الآخر هو في إخراجهم من المدينة أي طردهم من المدينة ، طالما ارتكبوا فعل الإضرار بالمجتمع المؤمن ، كما يطهّر البيت من القوارض والحشرات الضارة حتى لا تسبب الأمراض لأهل البيت ، فوجب أخذ الحذر منهم دائما وتطهير المدينة منهم ، وتطهير كل مجتمع إسلامي مدني أيضا ، فهذه سنة اللّه بوجوب تطهير البيوت الطاهرة من كل علل الفساد والرذيلة ، فالآيات تأذن للنبي عليه الصلاة والسلام بالتصحيح الداخلي للمجتمع المدني تجاه المنافقين ، كما فعلت وقعتا الأحزاب وقريظة مع التجمّعات الخارجية المعادية لدولة المؤمنين . مناسبة نزول الآية ( 63 ) من سورة الأحزاب : يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ( 63 ) . المناسبة التنزيلية لهذه الآية من سورة الأحزاب في وحدتها التاريخية ، أي بعد كل الأحداث السابقة تدل على أن مسألة الساعة مما استمر السؤال عنه في المدينة المنورة ، فهذه آية مدنية ويقرب تاريخ نزولها العام السادس من الهجرة ، ومع ذلك لا يمتنع القرآن من الإجابة عليها بنصّ قرآني مدنيّ بالرغم من أنه أجاب عليها في آيات مكية عديدة مثل سورة النازعات الآية ( 42 ) ، وسورة الأعراف الآية ( 187 ) ، وسورة الذاريات الآية ( 12 ) ، وغيرها « 1 » . ومن التأويلات الواردة تفسير القرطبي : ( هؤلاء المؤذون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أوعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة ، استبعادا وتكذيبا ، موهمين أنها لا تكون ) « 2 » ، ولعل تأويل ابن كثير أكثر قبولا وفيه : ( يقول تعالى مخبرا لرسوله صلوات اللّه

--> ( 1 ) للمزيد عن فقه السؤال في القرآن ، أنظر : المدخل العلمي والمعرفي لفهم القرآن الكريم ، عمران سميح نزال ، دار قتيبة ، دمشق وبيروت ، ودار القراء بعمان ، الطبعة الأولى 1414 ه - 2003 م ، ص 47 . ( 2 ) القرطبي : الجامع لأحكام القرآن .