عمران سميح نزال

231

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

حفصة ثم راجعها ، وأنه أراد طلاق سودة حتى صالحته على ترك طلاقه إياها ، ووهبت يومها لعائشة ؟ قيل : كان ذلك قبل نزول هذه الآية « 1 » . والدليل على صحة ما قلنا ، من أن ذلك كان قبل تحريم اللّه على نبيه طلاقهن ، الرواية الواردة أن عمر دخل على حفصة معاتبا لها حين اعتزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساءه ، كان من قيله لها : قد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طلقك ، فكلّمته فراجعك ، فو اللّه لئن طلقك ، أو لو كان طلقك لا كلمته فيك ! وذلك لا شك قبل نزول آية التخيير ، لأن آية التخيير إنما نزلت حين انقضى وقت يمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على اعتزالهن . وأما أمر الدلالة على أن أمر سودة كان قبل نزول هذه الآية ، أن اللّه إنما أمر نبيه بتخيير نسائه بين فراقه والمقام معه على الرّضا بأن لا قسم لهنّ ، وأنه يرجي من يشاء منهن ، ويؤوي منهن من يشاء ، ويؤثر من شاء منهن على من شاء ، ولذلك قال له تعالى ذكره : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ، ومن المحال أن يكون الصلح بينها وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جرى على تركها يومها لعائشة في حال لا يوم لها منه . وغير جائز أن يكون كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يوم هو لها حقّ كان واجبا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أداؤه إليها ، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير لما قد وصفت قبل فيما مضى من كتابنا هذا . فتأويل الكلام : لا يحل لك يا محمد النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك في الآية قبل ، ولا أن تطلّق نساءك اللواتي اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، فتبدّل بهن من أزواج ولو أعجبك حسن من أردت أن تبدّل به منهن ، إلا ما ملكت يمينك . وأن في قوله أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ رفع ، لأن معناها : لا يحل لك النساء من بعد ، ولا الاستبدال بأزواجك ، وإلا في قوله : إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ استثناء من النساء .

--> ( 1 ) قلت : قول الطبري كان ذلك قبل نزول هذه الآية احتكام لعلم تاريخ نزول آيات القرآن الكريم وسوره ، وفي ذلك دلالة على أن العلوم التاريخية أصيلة في مناهج أئمة التفسير .