عمران سميح نزال

216

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قد خطب أم هانئ قبل نزول هذه الآية وهي في مكة وقبل فتح مكة ، فيكون نهي اللّه تعالى لنبيه أن يتزوّج ممن لم تهاجر وإن كانت من أقارب النبي عليه الصلاة والسلام قبل فتح مكة ، وهذا يتّفق مع تاريخ نزول الآية في وحدتها التاريخية من سورة الأحزاب ، ويكون خبرها أنها كانت من الطّلقاء تأكيدا على أنها لم تكن من المهاجرات وربما لم تكن من المسلمات أيضا ، فكأن أم هانئ تتحدّث عن قصة لها مع النبي عليه الصلاة والسلام ، أن النبيّ كان يرغبها زوجة له ، ولكن نزول هذه الآية حال بينهما لأنها لم تهاجر ، فقد توفر فيها شرط ابنة العم ولم يتوفّر فيها شرط الهجرة ، فكانت ممن لا تحلّ له بهذه الآية ، ونهي عن الزواج بها في الآيات التالية لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ . . ( 52 ) ) . وهنا نبيّن دور الوحدة التاريخيّة في تفسير القرآن ، وأن الصواب هو ما يؤخذ من الوحدة التاريخية لسورة الأحزاب وهي أن هذه الآية وهي الآية الخمسون ( 50 ) ، جزء من وحدتها التنزيلية وهي في وحدة تاريخية مع ما نزل قبلها ، وما سينزل بعدها ، وما نزل قبلها في السورة فهو ما نزل قبلها في الزمن ، وما نزل بعدها في السورة فهو مما نزل بعدها في الزمن أيضا ، فهي بعد تاريخ غزوة الأحزاب وقريظة وهي في الآيات : ( 9 - 27 ) ، وبعد تاريخ نزول آيات التخيير لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام ، اللاتي اخترن اللّه ورسوله فأحلّهن له زوجات دون غيرهن ، وكانت في الآيات : ( 28 - 35 ) ، وبعد تاريخ زواج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب بنت جحش ، وهي في الآيات : ( 36 - 41 ) ، فقد تزوّجها بعد التخيير بحكم الوحدة التاريخية لسورة الأحزاب ، وبعد تاريخ نزول الآية ( 48 ) التي نهت النبي عليه الصلاة والسلام عن طاعة الكافرين والمنافقين ، وأذنت له أن يوقف ملاحقته لكفار قريش والقوى الخارجية المعادية لدولة المؤمنين ، وأن لا يردّ على أذيّة المنافقين من سكان المدينة المنورة ، أي أن القرآن قد هيّأ الأجواء للحياة السياسية والاجتماعية من غير قتال ، ووفّر الظروف الأمنية للذهاب إلى العمرة ، وأيضا الظروف النّفسية التي تتقبّل الهدنة في الحديبية ، في هذه الظروف والأجواء التفت القرآن الكريم إلى الحياة الاجتماعية للنبي عليه الصلاة والسلام .