عمران سميح نزال
200
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
الإيمان ، وأنهم جماعة وليس فردا بالدليل اللغوي ، والذين يذكرون اللّه ذكرا كثيرا ويسبّحونه بكرة وأصيلا ، وليس الذين يرثون عنه زعامة دنيوية فقط من غير تقوى ، ولا الذين يرثون عنه ملكا أو أراضي أو أموالا أو غنائم أو غيرها . وهؤلاء الذين جعلهم اللّه تبارك وتعالى ورثة لأعظم نبوة وأعظم رسالة عليهم أن يشكروا اللّه تعالى على نعمته عليهم ، وبهذا المعنى قال القرطبي : ( أي اشغلوا ألسنتكم في معظم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير . . وقيل : المراد صلّوا للّه بكرة وأصيلا ، والصلاة تسمى تسبيحا . وخصّ الفجر والمغرب والعشاء بالذكر لأنها أحق بالتحريض عليها ، لاتّصالها بأطراف الليل . . مسألة : هذه الآية مدنية ، فلا تعلّق بها لمن زعم أن الصلاة إنما فرضت أولا صلاتين في طرفي النهار . والرواية بذلك ضعيفة فلا التفات إليها ولا معوّل عليها « 1 » ) « 2 » . سبب نزول الآية ( 43 - 44 ) من سورة الأحزاب : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( 43 ) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ( 44 ) . نقول : إنّ في مناسبة نزول هذه الآية دليلا على صحة منهج علم تاريخ النزول ، وفكرة الوحدة التاريخية للسورة الواحدة ، فقد قلنا في مناسبة الآية السابقة التي بدأت بنداء يا أيها الذين آمنوا إنه توطئة لبيان مهمة الذين آمنوا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وبعده ، وأنهم الذاكرون للّه تعالى كثيرا ، والمسبّحون له بكرة وأصيلا ، وبذلك يثيبهم اللّه صلاة منه ومن ملائكته ، ويخرجهم من الظلمات الاجتماعية الجاهلية إلى النور الاجتماعي الإسلامي ، رحمة من اللّه تعالى بالمؤمنين الذين يستجيبون لندائه ويلتزمون طاعته ، وهذا تشريف عظيم للمؤمنين من اللّه تعالى ، لأنه قدّم تشريف اللّه تعالى لهم على تشريف نبيه في الآية التي تأتي إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ . . ( 56 ) .
--> ( 1 ) هذا استدلال تاريخي من تاريخ نزول الآية في المدينة لترجيح فهم ورد رواية في المسألة . ( 2 ) القرطبي : الجامع لأحكام القرآن م 7 / ج 14 / 176 .