عمران سميح نزال

191

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

زواجه من ابنة عمته زينب بنت جحش ، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ، أي إذا دخلوا بهن وانقضت عدتهن « 1 » . وهذه شهادة كبرى على مصداقية النبي عليه الصلاة والسلام في التزامه أمر ربه مهما كان موقف الناس منه ، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو القدوة الحسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر من المسلمين والمؤمنين ، كما جاء في آية ( 21 ) من هذه السورة ، أي أن سورة الأحزاب في نظم واحد في خطابها وأحداثها ومناسباتها التنزيلية والتاريخية والموضوعية . وأهم ما في هذه السورة من معان أن النبي وأزواجه ونساءه هم القدوة الحسنة ، وأول من تطبّق عليهم الآيات التي تزيل عادات الجاهلية رغم قسوتها في أيامهما الأولى ، لأنها كسر للمألوف من عادات الجاهلية ، ذلك أن الدين الحق هو الذي يبدأ التكليف بأي حكم منه إذا كان صعبا بالنبي وأهله ، حتى لا يبقى عذر لمن بعدهم من المؤمنين ، وإن كان الأمر كرامة أو نعمة فإنه يبدأ بالمؤمنين قبل النبي وأزواجه ، حتى لا يقال بأثرتهم قبل غيرهم ، فكان من الحكمة أن تطبق أحكام الإسلام في ادعاء الأبناء والتبني وانتهاء لوازمه على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى من تبنّاه زيد بن حارثة ، وزواج زيد المولى من ابنة عمه وهي زينب ، ثم طلاقهما وزواج النبي منها رضي اللّه عنها . ولذا لا يقال إن زيدا وزينب رضي اللّه عنهما قد تضررا مما حصل معهما عندما قضى اللّه تبارك وتعالى عليهما ذلك ؟ لأن أولى الناس في تحمّل أوامر اللّه وتكاليفه ، وأن تنزل بهم وعليهم آيات اللّه تبارك تعالى ، وأن ينزل بشأنهم قرآن يتلى هم النبي وأمهات المؤمنين وأقاربه وأصحابه ، لأنهم أهل لهذا الشرف العظيم في الدنيا والآخرة ، فكيف تثبت للّه طاعة إن لم يكن أول من أطاعها النبي وأمهات المؤمنين عليهم الصلاة والسلام ، فهذا تشريف إلى يوم الدين ما بعده تشريف . وبذلك يجب ألّا يغيب عن البال أن من معاني هذه الحادثة الشريفة ، أن زيدا كان مولى ولم يكن يحق له عند العرب قبل الإسلام أن يتزوّج من حرة شريفة مثل

--> ( 1 ) انظر : التفسير الكبير للرازي ، 6 / 579 .